روابط للدخول

افتتاح مكتبة الأوقاف عام 1927 والاهتمام بالمخطوطات والمطبوعات في العراق أيام زمان


خالد القشطيني

بالرغم من كل تلك المكانة التي احتلها العراق في تاريخ الأدب والعلوم، فإنه عندما نال استقلاله واستأنف مسيرته الحضرية في العهد الملكي، عهد أيام الخير، لم يبق في العراق من آثار ذلك التاريخ الحافل غير بضعة آلاف من المخطوطات الجديرة بالحفظ. فقد هلك أكثرها بفعل الغزو والحروب والفيضانات والإهمال. كما عمد آخرون إلى تصديرها وبيعها بأثمان زهيدة للمتاحف والهواة خارج البلاد، ولاسيما بعد وباء الطاعون الذي اجتاح البلاد سنة 1827 حين سارع الناس إلى التخلص مما عندهم بأبخس الأثمان.

ولكن ما أن استقل العراق وأعيد تنظيمه حتى بادرت وزارة الأوقاف إلى جمع المخطوطات والكتب من المساجد والمدارس الدينية واقتناء ما أمكن اقتناؤه من المجموعات الشخصية. وفي عام 1927 تم افتتاح مكتبة الأوقاف العامة في حفل مهيب بعد أن تجاوزت خزانة موجوداتها آلاف المجلدات بين المطبوع والمخطوط. وبفعل هذه الانتفاضة الأدبية، سرت روح البحث والتنقيب والجمع إلى عدد غير قليل من المهتمين بالكتب. وكان على رأسهم الأب أنستاس ماري الكرملي والمحامي عباس العزاوي والمؤرخ يعقوب سركيس والعالم الديني حسن الأنكرلي. كما ظهر وكلاء وتجار لهذه الهواية كالملا صابر حافظ الذي تخصص في كركوك بشراء وبيع المخطوطات. وفي الموصل اشتغل في هذه التجارة السيد شاكر شنشل. ولكن معظم المخطوطات الثمينة وردت من كربلاء والنجف الأشرف.

تلى ذلك جيل من هواة المطبوعات وتجارها. وكان على رأسهم المرحوم قاسم محمد الرجب. و يعود إليه فضل كبير في إنقاذ الكثير من المخطوطات والكتب القيمة لا في العراق فقط وإنما من الدول العربية المجاورة أيضا. وهكذا فبعد أن كان العراق مصدرا مستباحا تخرج منه الكتب دون وازع أو رقيب، أصبح مستوردا لهذه الآثار الأدبية الثمينة.

تأسست فيما بعد مكتبة مديرية الآثار العامة التي راحت بدورها تفتش عن المخطوطات وتبتاعها وتدققها وتبوبها وتفهرسها لفائدة الباحثين. وكما نتوقع، كانت معظم هذه الكتب قد استنسخت بخطوط جميلة من قبل خطاطين محترفين في هذا الفن. وأدى ذلك إلى نهضة في حرفة خط الكتب فآثر الكثير من الأدباء والمؤلفين أن يعهدوا بمؤلفاتهم إلى خطاطين يمشقون ما كتبوه رغم وجود المطابع العصرية المتطورة. وهو ما فعله خير الدين العمري الذي عهد بكتابه "من كل واد حجر" إلى الخطاط أحمد طاهر الملا ليخطه وينشره عام 1946 ليكون متعة للقارئ بشكله ومعناه معا، كما قال ناشر الكتاب. وبفعل ذلك، اتخذ البعض هوايته من خط الكتب واشتهروا فيها كعبد الرزاق الشيخلي وعبد اللطيف بن إسماعيل ثنيان وعبد الرزاق البغدادي.

كان لبعض هذه المخطوطات تاريخ طويل يمتد إلى عدة قرون كتلك النسخة القديمة من "نهج البلاغة" التي ترجع إلى عام 548 الهجري واشتراها قاسم محمد الرجب من مالكه بأربعة عشر دينارا فقط. ولبعضها حكايات وطرائف ظريفة كتلك المخطوطة لكتاب "صحاح الجوهري" التي يرجع تاريخها إلى القرن السادس الهجري. ختمها ناسخها بهذه العبارة: "أرجو من وجد فيه سهوا أن يغفر لي خطأي، لأني بينما كنت أخط بيميني، كنت أهز ولدي بشمالي." واعتز البعض بمخطوطاتهم إلى درجة الغيرة عليها، حتى أن أحدهم لم يسمح لأحد الأدباء بالاطلاع عليها حتى نظم قصيدة طويلة في مدحه.

قلنا إن عراق أيام الخير قد قلب المجرى من مصدر لتهريب المخطوطات إلى مستورد حريص على استيرادها والاعتزاز بها. ولكن يا للأسف! ويا أسفاه! عاد اليوم فانقلب المجرى وغدا مسيل الماء غير مسيله، فعادت هذه المخطوطات الثمينة تهرَّب إلى الخارج ثانية من قبل أناس لا ضمير لهم.

على صلة

XS
SM
MD
LG