روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

حلقة جديدة من برنامج أيام الخير الذي يعده ويقدمه الكاتب العراقي خالد القشطيني يحدثنا فيها عن نظرة العرب والمسلمين إلى العراقيين في الماضي واليوم..

- ينظر الناس في هذه الايام الى ابناء العراق كمخلوقات تستحق العطف و الرثاء، وهم على ما يواجهونه من اختلال الامن و عدم الطمأنينة. لا يستطيع المرء غير ان يقول سبحان الله، سبحان مغير الاحوال من حال الى حال. لقد كانت هناك ، ئي نعم، قولوا معي، ايام خير وامان. كان الآخرون من عرب و مسلمين، ينظرون الى العراقيين في العهد الملكي كأبناء ترف و نعمة و حضارة. وفي هذه الايام نسمع الكثير من طرائفها و حكاياتها . من آخر ما سمعته منها حكاية التكييف الهوائي الذي ابتكرته المفوضية العراقية في جدة لفائدة الحجاج العراقيين في اوائل الخمسينات.
نحن الآن ملمون بواسائل الراحة و التبريد و التهوية و التكييف الراقية التي اعدتها و نصبتها المملكة العربية السعودية لفائدة الحجاج و المعتمرين المسلمين. و لكن لم يكن هناك غير القليل من ذلك قبل تدفق النفط و عوائده على المملكة.

صادفت وقفة عرفات عندئذ في شهر آب ، الذي يحرق المسمار في الباب كما يقول المثل العراقي. ادرك المسؤولون في المفوضية العراقية المحنة الصعبة التي سيواجهها الحجاج العراقيون. فلم يكن هناك في مخيمات الحجيج في منى حتى الكهرباء، ناهيك عن المراوح او المكيفات. يروي السيد امين المميز ، الوزير المفوض في جدة عندئذ، كيف اجتمع المسؤولون في مكتبه لبحث هذه المشكلة. قرروا في الاخير جلب مولدات كهربائية تعمل بالبنزين لمد الخيم العراقية بالكهرباء. ثم جاؤا بمراوح ضخمة اوصلوها بها. بقيت مشكلة الهواء اللاهف. فقد تجاوزت درجة الحرارة الخمسين سنتغراد. كانت المراوح تعطي الهواء و تلقي به في وجوه الجالسين ، و لكن ما الفائدة منه اذا كان حارا لاهفا و جافا يشوي الوجوه كلهيب جهنم؟

فكروا في الأمر فتوصلوا الى هذه البدعة الذكية. اخذوا يجلبون قوالب الثلج و يضعونها امام المراوح الكهربائية بحيث اخذت تبرد هواءها عند مروره فوقها فلا يضرب في وجه الحجاج الا كنسيم بارد منعش و ندي رطب. بعبارة اخرة توصل موظفو السفارة في الواقع الى نظام كفوء من التكييف الهوائي المرتجل قبل ان يعرف الناس في منطقة الشرق الاوسط أي شيء عن اجهزة التبريد او التكييف الهوائي التي شاعت في العراق بعد سنوات. كان الحجاج الآخرون يستعملون قوالب الثلج لتبريد الماء فقط و لأنعاش و انقاذ من يصاب بضربة الشمس. و لكن الخيم العراقية راحت تستعمله للترويح عن النفس و قضاء وقت ممتع في الخيمة. و اكثر من ذلك، وبعد ان توفرت القوة الكهرائية فيها، عمد المسؤولون العراقيون و وكلاء الحج الى تزيين الخيم العراقية بالمصابيح الملونة و الاعلام العراقية و صور الملك فيصل الثاني رحمه الله.

و بينما كان الكثير من الحجاج المسلمين من الدول الاخرى يتساقطون تحت وطأة الحر و قوة الشمس اللاظية، فيموت منهم من يموت و يدفنونهم في قبور جماعية في مقابر بطن عرنة، و ينقل الآخرون الى المستشفيات و وحدات الطواريء، بينما كانت المخيمات الاخرى تتعرض لمثل ذلك، اصبحت الخيم العراقية مزارا يزوره الحجاج الآخرون من شتى الامصار ليتفرجوا عليها وهي في زينتها و انوارها الساطعة و نسائمها العذبة. كانت منظرا من المناظر العجاب لم يسبق ان شاهد الناس مثله في منى. كانت في الواقع حدثا تاريخيا.

نجلس في هذه الايام مع شيوخنا ، آبائنا و اعمامنا، من جيل تلك الايام و نسمع حكاياتهم هذه ، و كأنها صفحات من صفحات الف ليلة و ليلة. يروونها و البريق يشع من اعينهم بتلك الذكريات ، يصعدون الحسرات هنا ثم هناك، يبتسمون آنا و يعبسون آنا ، اذ يتذكرون ذكريات تلك الايام اللي مضت من ايام الخير.

على صلة

XS
SM
MD
LG