روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

وألان نترككم بصحبة الكاتب العراقي خالد القشطيني وحلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي أيام الخير يحدثنا فيها عن الطفيليين وأنواعهم وحكايتهم..


- ما اكثر حكايات الطفيليين في التراث العربي ، وهو تراث مازال مستمرا اليوم، بل و تعاظم نطاقه. و لكنني لا اريد ان اشير هنا الى الطفيليين على موائد الرؤساء و الحفلات الدبلوماسية و الاعراس الراقية، فهذا قسم يدخل في نطاق ما يمكن تسميته بالطفيلية البرجوازية. فكما اتضح لي من زمان، الطفيلية صنفان ، صنف الطفيلية البرجوازية ، و يشمل هؤلاء الاساتذة و الشعراء و الادباء و الصحافيين ، وصنف الطفيلية البروليتارية، طفيلية الغلابة و العاطلين.

- كان من امثلة الطفيلية الاخيرة ، أي البروليتارية ، الطفيلي النبيل شعوبي ابن السيد ابراهيم في ناحية الاعظمية من بغداد. كان من المعتاد في ايام رمضان المبارك ان يمتليء سوق الاعظمية بصواني البقلاوة و القطايف و الزلابية و غيرها من الحلويات التي تعرض للبيع. و كانت العادة ان يضع البائع اناء مليئا بسائل ثخين مكثف بالسكر و ماء الورد و المطيبات يسميه العراقيون بالشيرة. و يهيمون شغفا بها. يصب منها البائع شيئا على ما تشتريه من المعجنات الحلوية لزيادة حلاوتها و تحسين طعمها.

- بالطبع لم يكن بمستطاع السيد شعوبي الضعيف الحال ان يشتري شيئا من ذلك. و لكنه ما ان اذن المؤذن من منارة الامام ابي حنيفة بصلاة المغرب ، اعلانا بالفطور، حتى انبري السيد شعوبي الى السوق مع اثنين او ثلاثة من لصحابه . يقفون قريبا من بائع البقلاوة فيدخل شعوبي معهم بمجادلة عقيمة في أي موضوع يخطر في باله و يتعصب لما يقوله و يرفع صوته ثم يصرخ من باب القسم فيقول :" و حق هذي نعمة الله ..." ثم يغمس يده في اناء الشيرة. يخرجها مضرجة بهذا السائل السميك اللذيذ و يلطعها معتذرا للبائع.

- و بعد ان يكون قد اخذ حقه من شيرة البقلاوة ، يذهب الى مقربة من بائع القطايف و يفتعل نفس المجادلة السفسطائية عن مجرى الحرب و ماذا سمع من راديو برلين و قاله يونس بحري ثم يتعصب لرأيه في هزيمة الحلفاء فيصرخ بأصحابه قائلا : " اسمعوا ولكم ، و حق هذي نعمة الله..." و يغمس يده في اناء شيرة القطايف . يلطع ما علق بيده من شيرتها ، و ينتقل الى بائع الزلابية...
لا ينتهي من جولته في السوق الا و يكون قد اخذ اكثر من نصيبه من اطايب مأكولات رمضان الشريف.

- بالطبع لاحظ الباعة المتجولون ذلك منه و تضايقوا من امره . فعقد احدهم عزمه على وضع حد له. فما ان دخل في المجادلة المألوفة و هتف بأعلى صوته ، وحق هذه نعمة الله، حتى مسك البائع بيده و قال له :" اخي شعوبي ، روح احلف القسم على رغيف الخبز هناك ... هذي نعمة الله المضبوطة مو الشيرة مال البقلاوة. " و اشار به الى بائع الخبز ، حسون ابن الخبازة. و لكن شعوبي كان ككل الطفيليين المحترفين ، لبق اللسان، حاضر البديهة ، فقال للبائع:

" المؤمنون حلويون يا ابو فطومة، المؤمنون حلويون."
و اثناء ذلك كان قد غطس يده في اناء الشيرة اللذيذة و لطعها شاكرا حامدا . الحمد لله و الشكر لله وحده. قول ويايا ابو فطومة ، قول ويايه ، الحمد لله و الشكر لله وحده.
و كان يوما آخر ، قولوا ويايه، يوم آخر من ايام الخير في بغداد. و راح.

على صلة

XS
SM
MD
LG