روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

- كانت اكلة المسكوف من المناسبات اللذيذة في ايام الخير في بغداد ن ولاسيما عندما تجري ليلا بعد سفرة نهرية بالبلم الى احدى الجزرات الرملية الممتدة على نهر دجلة ، يوم كانت هناك جزرات و ماء في نهر دجلة . هذا النهر الخالد اصبح شطيطة في السنوات الأخيرة. اعتاد سكان الاعظمية بصورة خاصة على الاستمتاع صيفا بهذه الاكلة. يستأجرون بلما و يأخذون معهم سمكة الشبوط او البني ، و باقة حطب و ركية ركيتين، و شيشة عنبة ، و كم طماطاية مع ما يلزم من مشروبات و ثلج.

عفوا ، لابد ان نعتذر للمستمعين الكرام في العراق عن ذكر كل ذلك بعد ان اصبحت الاعتبارات الامنية تحول دون كل ذلك، حتى لكأننا نتكلم عن عصر من عصور هرون الرشيد و الف ليلة و ليلة. و لكن هكذا كانت الحياة عند الاعظميين و اهل بغداد في ايام الخير. ينطلقون بكل ذلك شمالا الى ضواحي الصليخ و الكريعات ، يجدون شاطئا رمليا نظيفا ، يفرشون عليه ، يوقدون النار، و يبدأ شوي السمك. و اثناء ذلك يتجمعون حوله ، يروون ما طاب لهم من اشعار، يغني من يغني ، و يتحدثون عن تطلعاتهم الذهبية لبلدهم و شعبهم و مجتمعهم.

كان من شخصيات تلك الايام المرحوم شعيب ابراهيم ، المعروف محليا بشعوبي. كان متيما بحب نهر دجلة و ولائم المسقوف على ضفافه. و عندما سمع بزواج صديقه المعلم عبد الله الحموش، اصر على ان يقيم له وليمة مسقوف في ليلة عرسه. فمن العادات البغدادية ان يقيم الاصدقاء وليمة ساهرة لمن يتزوج في يوم عرسه ، ليلة الدخلة. يزفونه منها مشيعا بالغناء و الصفكة و المداعبات. رتب شعوبي كل ذلك و اتفق مع داود السماج ان يأتيهم بسمجة شبوط ممتازة من صيده في تلك الليلة.

انحدر القوم بالبلم و حطوا رحالهم على شاطيء جميل في جانب بساتين الكاظمية ، مقابل بيت حكمت سليمان. نصبوا الكرامفون ابو النصب و راحوا يستمعون الى قوانات ام كلثوم و محمد القبانجي و عبد الوهاب و نحوهم. مرت الساعات دون ان يظهر اثر لداود السماج. كانت ليلة من من الليالي النحسة لصيد السمك. و يظهر ان الشبوط سمع بالحكاية و عقد العزم على ان يخرب الحفلة على شعوبي. ابى ان يبلع شص السماج. مرت الساعات و تأزم الوضع. اخيرا استبشر القوم عندما رأوا بلم السيد داود يقترب منهم محملا بالسمكة المطلوبة. شمروا عن سواعدهم ، هذا يقص السمكة و ينظفها ، و ذاك يملحها و يرشها بالكاري حتى اعدوها للشوي. و لكن و يا للأسف نسي شعوبي ان يأتي بالحطب. تطوع الدكتور عيسى ان يعبر بالبلم الى الكريعات و يشتري بعض الحطب من احدى الخبازات. وهو ما تم. و لكن السمكة لم تطرح امام العريس حتى دوى اذان الفجر من منارة الامام ابو حنيفة. اسرعوا عائدين الى بيت العرس ليجدوا معظم الضيوف قد انفضوا و عادوا الى بيوتهم. و بادرت ام العروس للأتصال بالشرطة ليفتشوا عن العريس في النهر. ربما غرق و اخذته مياه دجلة . اما العروس المسكينة فقد طال انتظارها فنزعت ثوب العرس و استغرقت بالبكاء حتى استولى عليها النوم.

انهالت النسوة باللوم و التأنيب و الشتائم على العريس، المعلم عبد الله الحموش و صاحبه، الشقي السايب شعوبي ابراهيم و كل هذا المقلب الذي عملوه بالبنت في ليلة عرسها. اجابهم العريس ، معلم الاولاد ، وهو يترنح تحت تأثير الشراب: " وشنو يعني؟ تريدوني افوّت اكلة مسكوف على مود بنتكم؟"

لم يعرف القوم ، نسوة و رجالا ان يضحكوا او يثوروا . و لكنها كانت يوم خير ، ليلة من ليالي الخير من ايام بغداد و لياليها الخير ، ليالي المسقوف و سفرات البلم تحت القمر بالليل ، الليالي الحلوة اللي راحت ... ئي بلي، ليالي الخير اللي فاتت و راحت ويا اهلها.

على صلة

XS
SM
MD
LG