روابط للدخول

الشاعر العراقي معروف الرصافي وروح الإخاء والتضامن


خالد القشطيني

يؤسفني أن أجد في هذه الأيام أبناء الشعب العراقي يتحزبون كلا لطائفته وملته وقد عرفناهم بالأمس، في أيام الخير، متآخين متكاتفين، شيعة وسنة، يهودا ونصارى. لا يقدمون على عمل من أعمال الخير إلا وفتحوا أبوابه للجميع دون تمييز أو تحزب. عَرف العراق في تلك الأيام شتى ضروب الإحسان ومشاريع الخير التي أقدم عليها الموسرون من أصحاب الأموال والأملاك. وقد تسابق الشعراء في الثناء عليهم. كان منهم الشاعر والوطني الكبير معروف الرصافي فحياهم بهذه الأبيات:

لو كنت أعبد فانيا في ذي الدنا
لعبدت من دون الإله المحسنا
وجعلت قلبي مسجدا لتعبدي
سرا، وفِهت له بشكري معلنا
كي لا أكون مرائيا بعبادتي
ولكي أكون بشكره متفنـِّـنا

كان الشاعر قد أنشد هذه الأبيات في الحفل الافتتاحي لمدرسة الأيتام التي أسستها الجمعية الخيرية الإسلامية في العاصمة العراقية بغداد عام 1928، أي في أوائل تأسيس المملكة العراقية. والطريف في أمر هذه المؤسسة الاجتماعية أن المسلمين قد تولوا إقامتها ولكن الموسويين كانوا قد تحملوا نفقات بنائها. وكان ذلك عندما تقدم المحسن الكبير مناحيم صالح دانيال بالإنفاق عليها من كيسه الخاص. كان هذا المواطن اليهودي قد أقام عدة مشاريع في منطقة الحلة بما في ذلك سوق الكفل ومزارع الشعير الواسعة، حتى سماه سكان المنطقة بـ (شيخ شعير). وبعد أن تبرع بالمبالغ اللازمة لتشييد الميتم الإسلامي حياه معروف الرصافي على حسن فعله بهذه الأبيات فقال:

ويَسرُّني أني أشاهد مَوْطِني
قد نال من بركاته بعــض المنى
وإذا أسْتـُريبُ بما أقول فشاهدي
هذا البناء ومن حماه ومن بنى
قد شيد للأيتام مأوىً واهياً
يَهْتـَــمُّ بالأيتام فيه ويُعتنـــى
ليكون فيه شفاؤهم من جهلهم
ومن الظما ومن الطوى ومن الضنى
جاد ابن "دانيال" الكريم لذا البنا
بالمال مشتريا به كل الثنـــا
فاستـَوْجَبَ الحمد الذي كلماته
مسـتغرَقات بالثناء الأزمِنــا
فلنـَكنِهِ بأبي اليتامى بعد ذا
إذ لا يخاطـَب مثلـُهُ بسِـوَى الكِنـَـا

ثم يعرج الشاعر إلى القول بأنه حيثما يتعرض الإحسان والمعروف فلا فرق فيه بين مسلم أو مسيحي أو يهودي. تجمعهم جميعا فضيلة عمل الخير في بوتقة واحدة:

رجل (يَقصد به مناحيم صالح دانيال) ...
رجل عَلِمنا اليوم من إحسانه
أن ليس للإحسان دين في الدنا
لا يُحْسَن الإحسان إلا هكذا
قد صار طبعا في النفوس وديدنا
والمال إن جادت به يَدُ مُحْسِن
حَسَنٌ وإلا فهو بئس المُقتنى

على صلة

XS
SM
MD
LG