روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

الكاتب العراقي خالد القشطيني وحلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي أيام الخير يحدثنا فيها عن الصحافة الفكاهية العراقية..

- كنت القي محاضرة قبل مدة عن الصحافة الفكاهية العراقية و سألني احد الحاضرين عن سر اختفائها منذ زمان. قلت الفكاهة تقوم على الظرفاء و الظرفاء يحتاجون الى شعورهم بالحرية و الامن ومجالس يلتقي فيها الناس دون قلق او خوف و يتبادلون فيها نكاتهم و طرائفهم. بإختلال الأمن و شيوع العنف لا يقدم احد على عقد ندوات او جلسات. حالما ينتهي الانسان من عمله يسرع الى البيت ، يأكل و ينام. لا يلتقي بأحد و لا يستقبل احدا. و لكن في ايام الخير كانت هناك دواوين في بغداد . منها ما كان لأهل العلم و الأدب و القانون، مثل ديوان استاذي منير القاضي في الكرخ ، مثل ديوان بيت الشواف، و ديوان المجتهد الكبير الشيخ شكر. و لكن كانت هناك ايضا دواوين للفكاهة و الظرف، مثل ديوان طاهر جلبي في محلة الصدرية و ديوان احمد القيمقجي، الذي اطلقوا عليه لقب الشقندحي لكثرة نكاته و ملاطفاته. و هكذا اصبحنا نطلق هذه الكلمة " شقندحي" على كل منكت و فكاهي.
بيد ان من اشهر دواوين الأنس الفكاهي كان ديوان عبد المجيد الشاوي. و كان له زلمته المشهور "بانوس" الذي يذكرنا بشخصية المهرج الكلاون في الادب الانكليزي. و كان ديوان الشاوي محطا للظرفاء و المزّاح ، ولا محل بينهم قط لثقيل الدم. كان من رواده الشاعر الشعبي عبود الكرخي و الاديب خيري الهنداوي و محمود مصطفى الخليل و الشاعر عبد الرحمن البنا و المحامي محمود الشيخ علي، و قاسم العلوي.

كانت النكات و الطرائف تتطاير في هذا الديوان . و كان بانوس يمازح الصغير و الكبير و يقول فيهم ما يشاء بكل حرية و رحابة صدر. و بالطبع كانوا يقولون أي شيء يخطر في بالهم عن السلطة و الحكومة و رجال الدولة ، و حتى الملك دون هيبة او حساب.

و بفضل ذلك اكتسب عبد المجيد الشاوي روحا نادرة للنكتة و السخرية و الظرافة. و راحت نكاته تروى على الألسن . سمعت الكثير منها في بيتنا و انا طفل. و سجل آخرون حكاياته بأقلامهم. و رغم كل ما كانوا يقولونه في هذا المجلس ، فإن الحكومة لم تتردد في اختياره امينا للعاصمة. و ابلى فيها بلاء حسنا و يعود اليه الكثير من تطوير العاصمة العراقية التي ورثها العهد الملكي من العثمانيين في اسوء حالة.

قام بالكثير و لكنه امتنع كليا عن القيام بشيء واحد. كان مما ورثته الحكومة العراقية من العهد العثماني المنطقة المشينة المعروفة في بغداد بالمبغى العام او كما كانت تعرف بين العامة بالكلجية او المنزول. وهي مجموعة الدرابين التي كانت تزاول فيها العاهرات مهنتهن في منطقة الميدان. طالب الوطنيون و المصلحون بإزالة هذه المحلة الموبوءة، غير ان غيرهم رؤا رأيا مختلفا. و قالوا انها ضرورية ليمكن حصر الفساد و مراقبته في نقطة معينة بدلا من تركه ينتشر بدون رقيب. اخذ عبد المجيد الشاوي بالرأي الثاني فلم يمس المبغى العام. غير ان اهالي منطقة الفضل ااقترحوا عندئذ ان تغلق باب المبغى من منطقتهم شمالا ، وهي منطقة اشراف، و تفتح جنوبا نحو شارع الرشيد، وهو منطقة الملاهي و الحانات . و رغم انهم قدموا عدة عرائض في ذلك، فإن امين العاصمة تجاهلها . تكلم معه نوري السعيد في الأمر . قال له انت يا مجيد بك تركب سيارتك و لا تختلط بالناس و لكن الناس يمشون في الشارع و يرون هؤلاء العاهرات يتجولن بينهم. اجابه مجيد الشاوي قائلا صحيح، و لكن مرتك و مرتي ايضا يمرون من الشارع.

اخيرا طرح الأمر على الملك فيصل الأول رحمه الله، فنوقش الأمر في البلاط. سأله الملك، يا عبد المجيد بك، لماذا تعارض في نقل باب المبغى من منطقة الفضل الى منطقة الميدان؟ اجابه قائلا، يا سيدي انا امشي على القاعدة القانونية : القديم يبقى على قدمه و الحادث يقلع. انا وجدت الباب من الأول في محلة الفضل و اتركها في مكانها. و هنا اعترض عليه بقية الوزراء . قالوا و منو قال لك انها كانت من الأول في محلة الفضل؟ فأجابهم قائلا انا اقول لكم انها كانت من الأول في الفضل ، واذا ما تصدقون اسألوا امهاتكم.

لم يستطع حتى الملك فيصل دون ان يبتسم و يضحك.

على صلة

XS
SM
MD
LG