روابط للدخول

صدام يُدفن في مسقط رأسه وتداعيات إعدامه تتواصل على الأرض


فارس عمر

دُفن جثمان صدام حسين فجر يوم الأحد في قرية العوجة ، مسقط رأسه ، قرب مدينة تكريت في محافظة صلاح الدين. وحضر عملية الدفن عدد من افراد عشيرته. وقال علي الندا ، شيخ عشيرة البو ناصر التي ينتمي اليها صدام ، لوكالة رويترز ان عملية الدفن جرت في قطعة تابعة للعائلة في الصباح الباكر بعد أقل من اربع وعشرين ساعة على تنفيذ حكم الاعدام به في مقر سابق للاستخبارات العسكرية.
وأكد مصدر قريب من عائلة صدام ان جثمانه دُفن في مقبرة العائلة في العوجة حيث يرقد نجلاه قصي وعدي اللذان قُتلا في اشتباك مع القوات الاميركية عام 2003. وكانت أسرة صدام اشارت في وقت سابق الى انه قد يُدفن في مدينة الرمادي بمحافظة الانبار.
مصدر حكومي قال ان وجهاء العشائر في تكريت تسلموا جثمان صدام يوم السبت فيما أكد احد محاميه ان الجثمان نُقل الى المدينة بطائرة عسكرية اميركية.
وكان مسؤولون أشاروا الى ان صدام قد يُدفن في مكان مجهول لكي لا يتحول قبره الى مزار ولكن يبدو ان هؤلاء المسؤولين راعوا دفن عدي وقصي في العوجة منذ ثلاث سنوات وان المقبرة يُمكن ان تُخضع للمراقبة ، بحسب وكالة رويترز.
وفي حين ووري جثمان صدام الثرى فان تداعيات اعدامه ما زالت تتواصل على الأرض. وفي هذا السياق قال تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" يوم الأحد ان صدام حسين واحد من الحكام القلائل في العصر الحديث الذين حوكموا وأُعدموا لارتكاب جرائم وخروقات اخرى. فان غالبية الحكام الدكتاتوريين الذين عرفهم القرن العشرون ماتوا لأسباب طبيعية في الفراش أو في منافٍ مريحة ، أو برصاصة قاتل.
ولئن باتت محاكمة الزعماء السابقين ممارسة شائعة خلال العقد الماضي فان هناك سمات اخرى في قضية صدام تميزه عن سواه. إذ كان صدام أول حاكم سابق تُقاضيه محكمة محلية لجرائم بحق الانسانية واعدامه بعد ادانته بارتكاب مثل هذه الجرائم التي ينص عليها القانون الدولي.
ولاحظ التقرير ان تنفيذ حكم الاعدام فجر يوم السبت سمة اخرى تتميز بها قضية صدام لأن المؤسسات القانونية الدولية مثل المحكمة الجزائية الدولية والمحاكم المؤقتة التي تنظر في قضايا جرائم حرب في يوغسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون ، لا تفرض عقوبة الاعدام.
ويقول خبراء ان ادانة صدام بارتكاب جرائم ضد الانسانية رغم تطبيق القانون الدولي في حالته ، لم تُسهم بقسط يُذكر في تعزيز الجهود الرامية الى تطبيق مفاهيم القانون الدولي لحقوق الانسان في انحاء العالم.
ويحتج هؤلاء الخبراء بأن كثيرين في العراق والعالم نظروا الى محاكمة صدام على انها كانت عملية فوضوية ومسيسة تخللتها أخطاء عدة ارتكبها قضاة تنقصهم الخبرة والدراية في فقه القانون ، بحسب التقرير.
واضاف التقرير انه على الرغم من محاكمة قضايا تشمل انتهاك القانون الدولي لحقوق الانسان في محاكم وطنية فان البعض وضع صدقية المحكمة الجنائية العليا في بغداد موضع تساؤل لأن الولايات المتحدة قامت بتنظيمها.
وقال التقرير ان دولا اوروبية دُعيت لتقديم مساعدتها لكنها لم تتمكن من المشاركة لأنها الغت عقوبة الاعدام في قوانينها.
وتابع التقرير ان منظمات حقوقية ومحامين دوليين انتقدوا تنفيذ الحكم الصادر على صدام بوصفه جاء متسرعا. وقال البعض ان اعدام صدام بعد ادانته في قضية محدودة نسبيا تتعلق بقتل مئة وثمانية واربعين مواطنا من اهالي الدجيل ، أنهى محاكمة صدام في قضية أكبر هي تهمة الابادة ، أخطر الجرائم قاطبة ، على حد وصف التقرير.
واعتبر مدير معهد الدراسات القانونية العليا في باريس انتوان غارابون ان اعدام صدام بهذه السرعة قبل انتهاء محاكمته بتهمة الابادة في قضية الانفال انتكاسة قانونية خطيرة وضارة بصدقية المحكمة ، بحسب تعبيره.
وكان رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني شدد في بيان على ان اعدام صدام ينبغي ألا يكون سببا لعدم توثيق جرائم الانفال وحلبجة وقتل آلاف الاكراد. ولكن رئيس هيئة التمييز في المحكمة الجنائية العليا القاضي عارف الشاهين أكد في حديث خاص لاذاعة العراق الحر ، ان اعدام صدام لن يؤثر على استمرار المحاكمة في قضية الانفال في غياب صدام.
من جهة اخرى جادل قانونيون بينهم مدير معهد الدراسات القانونية العليا في باريس بأنه حتى إذا حوكم آخرون من اركان النظام السابق بتهمة الابادة في قضية الانفال فان الشخص الذي يُعد المسؤول الأول ، أي صدام ، لن يلقى جزاءه عن هذه الجريمة ابدا.
صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت عن مواطنين أكراد انهم ينظرون الى اعدام صدام بمشاعر مختَلَطَة لأن اعدامه يحرمهم من رؤيته في مواجهة أدلة جديدة على جرائمه خلال نظر المحكمة في قضية الانفال التي كانت تبعد اسابيع قليلة عن انتهائها ، بحسب الصحيفة.
ولفتت الصحيفة الى ان صدام ثاني دكتاتور يفلت من الحكم عليه بتهمة الابادة الجماعية مشيرة الى ان الأول هو رئيس صربيا السابق سلوبودان ميلوشيفتش الذي توفي في زنزانة تابعة للامم المتحدة بعد اصابته بأزمة قلبية في آذار الماضي خلال محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب في لاهاي.

** ** **

من تداعيات اعدام صدام ان رحيله عن هذا العالم اثار تساؤلات بشأن أموال عامة كانت بتصرفه. وفي هذه السياق قالت صحيفة "ذي اوبزرفر" البريطانية في تقرير يوم الأحد ان محققين عراقيين واميركيين يبحثون عن مئات ملايين الدولارات المفقودة من هذه الأموال وهم يأملون باستجواب افراد من أسرة صدام عنها. وأضاف التقرير نقلا عن وثائق رسمية قُدمت الى لجنة فرعية تابعة للكونغرس الاميركي ، ان مسؤولين في مكتب التحقيقات الفيدرالي "اف بي آي" والخزانة الاميركية ووزارة الخارجية على الأخص يريدون ان يعرفوا مصير ارباح غير مشروعة تبلغ نحو اربعة مليارات واربعمئة مليون دولار يُزعم ان النظام السابق حققها في الفترة ما بين 2000 و 2003 من اتفاق "نفط مقابل تجارة" وُقع مع سوريا خارج اطار برنامج "النفط مقابل الغذاء" الذي كانت تديره الامم المتحدة في حينه.
وكان تشارلز دولفر ، احد مفتشي الامم المتحدة عن الاسلحة المحظورة في العراق ، قدَّم تقريرا الى وكالة المخابرات المركزية الاميركية قدَّر فيه ان صدام جمع نحو احد عشر مليار دولار بطرق غير مشروعة خلال الفترة الممتدة من 1990 ، العام الذي بدأت فيه العقوبات الدولية الى عام 2003.
كما يُعتقد ان صدام أخفى مبالغ نقدية في حسابات مصرفية في سويسرا واليابان والمانيا ودول اخرى واستثمر اموالا اخرى في احجار كريمة ربما بشراء الماس في الشرق الأقصى ، بحسب صحيفة "ذي اوبزرفر" في تقريرها.

** ** **

دعا رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان يوم الأحد العراقيين الى التطلع الى المستقبل ونبذ أي افكار لممارسة الثأر والانتقام بعد اعدام صدام حسين.
وفي اول رد فعل رسمي تركي على اعدام الرئيس السابق اعرب اردوغان عن القلق من تداعيات اعدام صدام. ونقلت وكالة انباء الاناضول عن رئيس الوزراء التركي قوله في تصريحات صحفية في اسطنبول ان نحو ستمئة وخمسين الف شخص قُتلوا في اعمال العنف معتبرا ان الوضع في العراق "كارثة حقيقية" ، على حد وصفه.
وناشد اردوغان العراقيين ان يعملوا معا لادعادة الأمن الى بلدهم بنبذ مشاعر الثأر. وأكد ان للعراق عند تركية أولوية أعلى بكثير من عضويتها في الاتحاد الاوروبي.
وكانت تركيا الغت عقوبة الاعدام في عام 2002 في اطار الاصلاحات التي اشترطها الاتحاد الاوروبي لقبول تركيا عضوا في الاتحاد.

على صلة

XS
SM
MD
LG