روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

ايام الخير

اشتهر المغفور له الملك فيصل الاول بين القريب و الغريب بالحنكة و الحكمة السياسية حتى ليمكن القول ان وفاته المبكرة كانت من الاسباب التي ساهمت في تضعضع الحكم في العراق مع الاسف. فلم يكتب لهذا الرجل الفذ ان ينجز كامل رسالته في توطيد المملكة و تطويرها. و لكنه رغم ذلك سيبقى من اقدر رجال السياسة الذين جادت بهم الامة العربية في عصرها الحديث.

من الاساليب التي تميز بها رحمه الله، و استعملها في حل المشاكل الداخلية، الطابع الشخصي في تدخله لمعاجة الأمر بالحكمة والمودة بعيدا عن التهديد و الابتزاز و القوة. و كان من ذلك ما فعله بصدد التجنيد الاجباري. ففي عام 1932، أي قبل وفاته بعام واحد فقط، اصدرت الحكومة العراقية قانون التجنيد الالزامي الذي فرض على جميع الذكور البالغين، اداء الخدمة العسكرية لمدة سنتين في الجيش العراقي. كانت خطوة بارعة لا من حيث تدريب الرجال للقتال و اعدادهم للحرب فقط و انما كذلك في بث روح المواطنة و الانتماء الى كيان واحد. ففي افواج الجيش يختلط المواطنون من سائر القوميات و المذاهب و الديانات، يتعرفون على بعضهم البعض، يأكلون و يشربون و ينامون معا فلا تنتهي الخدمة الا و تتعزز في نفوسهم مشاعر الانتماء لهوية واحدة.

هذا ما كان، بيد ان ابناء العشائر لم يرتاحو للفكرة. فقد دأبوا في العهد العثماني على التملص من هذا الواجب ولم يجدوا مبررا لهم في خدمة جيش كان هو في الواقع جيش احتلال اجنبي للبلاد. استمروا في معارضتهم هذه حتى بعد قيام الحكم الوطني. قالوا فضلا عن ذلك انهم لا يحتاجون لأي تدريب عسكري. فأبناء العشائر يتدربون على استعمال السلاح منذ طفولتهم ولا يحتاجون لمن يعلمهم على استعمال البندقية. كما ان غياب الرجل عن اسرته و قريته و مزرعته لمدة سنتين يخلق مشاكل عملية اقتصادية لأسرته.

و لكن الحكومة لاحظت بعين الوقت ان استثناء احد من هذا الواجب ينسف الغرض المرجو من القانون و يتعارض مع وحدة البلاد. هددت قبائل الفرات الاوسط التي كان لها بالطبع الفضل الأكبر في الثورة العراقية و حصول العراق على استقلاله، بالتمرد و عصيان القانون اذا اقتضى الأمر. تأزم الوضع و لم تعرف الحكومة القائمة كيف تحل المشكلة.

بادر الملك فيصل فطلب من رئيس التشريفات الملكية ان يحضر له يشماغ و عقال من النوع الذي يلبسه سكان منطقة الديوانية و تعلم كيف يشد اليشماغ على طريقتهم. لبس الدشداشة و العباية، وشد اليشماغ و العقال و توجه بسيارته ، رغم تدهور صحته و قصد مدينة الديوانية. و ما ان وصل اليها حتى أمر افراد حاشيته من الافندية الذين مازالوا يعيشون على اساليب الموظفين الأتراك ، بالابتعاد عنه و تركه لوحده في مجالسة شيوخ القبائل و محادثتهم. بالطبع بادر هؤلاء الى اقامة وليمة كبيرة احتفالا بمقدم الضيف على عادة العشائر. ذبحت الخراف و طبخ التمن و احضر اللبن و التمر و جلس الجميع يأكلون من السفرة الممتدة امامهم على الارض و الملك بزيهم الاعرابي العشائري . انتهوا من الطعام و غسلوا ايديهم و جلسوا لتناول القهوة العربية . و في هذا الجو طرح الضيف الكريم موضوع زيارته و افاض في شرح القانون الجديد و اهميته للبلاد.

ما انتهى المغفور له من زيارته للمنطقة حتى عاد الى بغداد و في جيبه موافقة رؤساء القبائل على اطاعة قانون التجنيد الاجباري و التزامهم بتطبيقه. و هكذا استطاع بقليل من البراعة و الدبلوماسية المسرحية ان يحل ازمة هددت امن البلاد و سلامها. و كانت مناسبة تذكر من مناسبات ايام الخير التي اصبحنن نحن اليها.

على صلة

XS
SM
MD
LG