روابط للدخول

في هذه الحلقة تستمعون الى طبيعة الحياة السياسية في بداية تأسيس الدولة العراقية


خالد القشطيني

وألان الأعزاء نترككم بصحبة الكاتب العراقي خالد القشطيني وحلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي أيام الخير يتحدث فيها عن طبيعة الحياة السياسية في بداية تأسيس الدولة العراقية..

ايام الخير

من العيوب التي كثيرا ما تؤخذ على الحكم الديمقراطي انه يستغرق الكثير من الوقت و الجهود في الوصول الى أي قرار او حل لأي مشكلة. فالحياة الديمقراطية تؤمن بالتعددية و حق كل طرف في ابداء رأيه و الدفاع عنه.

مر العراق ، في ايام الخير طبعا، بمثل هذه التجارب كبلد اختار في العهد الملكي السير على هذا الطريق. كان من امثلة ذلك ما جرى في عام 1941 عندما نشأ نزاع بشأن مصير النائب السيد محمد حسن حيدر، الذي اشغل منصب نائب رئيس مجلس النواب. ولما كان المجلس في عطلته ، فقد اقتضى استدعاء النواب للحضور الحصول على الارادة الملكية بدعوتهم. غير ان الوصي على عرش العراق الامير عبد الأله رحمه الله، لم يكن في العراق عندئذ بعد ان وقع انقلاب رشيد عالي الكيلاني. فقام نائب رئيس المجلس محمد حسن حيدر بتوجيه الدعوة للنواب بالحضور لغرض التصديق على النظام الانقلابي الجديد ، وهو ما كان.

بيد ان سقوط الحكومة الانقلابية و عودة الشرعية للبلاد بعودة الامير عبد الاله، اوقع محمد حسن حيدر في طائلة القانون على اعتباره قد تجاوز متطلبات الدستور و انظمة مجلس النواب. فألقي القبض عليه و احيل للمحاكمة.

كان هذا كله امرا واضحا و مطروحا امام القضاء ليبت في امره. بيد ان مشكلة جانبية اثيرت بشأنه. وهي كيف يمكن التعامل مع هذه التهمة ؟ هل يمكن اعتبارها جريمة سياسية ام جريمة عادية؟ تقرر اخيرا احالتها الى اللجنة الحقوقية لمجلس النواب لتبت في امرها. اجتمعت اللجنة و حضر اجتماعها عدد من الوزراء للأدلاء برأيهم و الشهادة بمعلوماتهم. كان بينهم صادق البصام ، وزير العدلية ، و صالح جبر وزير الداخلية ، و وزير الاقتصاد السيد عبد المهدي و وزير الشسؤون الاجتماعية جمال بابان و عدد كبير من اعضاء مجلسي النواب و الاعيان. انتخبت اللجنة السيد عبد الهادي الظاهر رئيسا لها. و كان من الحقوقيين البارزين في بغداد.

استمرت المداولات و المحاججات لعدة ايام. راح البعض يستشهدون بالسوابق القانونية و الدستورية التي مرت بها الانظمة الديمقراطية الاخرى في اوربا. و اورد البعض النصوص و النظريات الدستورية من كبار الفقهاء العالميين ولاسيما من شروح الدستور البلجيكي في هذا الموضوع. لم يشأ احد ان يحسم الأمر اعتباطا او ارتجالا ، فهذا امر يتعلق بحقوق الانسان.و ينبغي ان يبت به في اطار العدالة المطلقة و حقوق الانسان و استقلال القضاء . تقدم مثلا صادق البصام ، وزير العدلية فقال ان من حقوقه كوزير ان يقضي بحكم القانون في امر التفرقة بين الجريمة السياسية و غير السياسية . فرد عليه روفائيل بطي ، احد اعضاء اللجنة ، بأن حق الوزير في ذلك يقع في اطار قانون السجون فقط ، و لا يسري على الامور المتعلقة بالدستور و القوانين الاخرى.

استمر الجدال سجالا حتى قررت اللجنة بالاكثرية اعتبار الجريمة جريمة غير سياسية. و لكن الاقلية الاعضاء الذين عارضوا ذلك ادرجوا اعتراضاتهم ، ووقعوا على خروجهم عن قرار الاكثرية.

اعطت اللجنة بذلك مثالا عمليا حيا في العراق على الأخذ بمعايير التعددية و حرية المناقشة و الاختلاف في الرأي . ذكر المؤرخون كيف ان نوري السعيدو صالح جبر كانا يدوران و يلفان في مبنى المجلس و اروقته يحاولان اقناع الاعضاء بوجهة نظر الحكومة ، بالمجادلة بالحسنى احيانا و المداعبة ( الشقة) احيانا اخرى، و لكن دائما بدون ضغط او تهديد او إكراه. كانت ايام خير ، و كل شيء يجري بأساليب فعل الخير و التعامل السلمي.
صقحة بيضاء من تاريخ العراق.


على صلة

XS
SM
MD
LG