روابط للدخول

الجزء الأول من الحوار مع كنعان مكية، عن التعذيب في العراق وإطاحة نظام صدام


أياد الکيلاني – لندن

تقديم: کفاح الحبيب وسميرة علي مندي

كنعان مكية كاتب وأستاذ في دراسات الشرق الأوسط والإسلامية بجامعة Brandeis الأميرکية، ويعتبر أحد أهم المفكرين العراقيين في الخارج. ولقد تحدثت المراسلة بإذاعة أوربا الحرة / إذاعة الحرية (کاثلين مور Kathleen Moore) مع مكية على هامش اللقاء العاشر لمنتدى 2000 في العاصمة التشيکية براغ، ويعتبر هذا المؤتمر منبرا دوليا رئيسيا للبحث عن سبل تفادي النزاعات ...


صرح كبير مبعوثي الأمم المتحدة لشؤون التعذيب Manfred Nowak قبل بضعة أسابيع بأن التعذيب ربما يكون أسوأ الآن عما كان عليه في ظل حكم صدام حسين. ما هو رأيك في ذلك، باعتبارك أحد المعروفين في مجال توثيق إساءات عهد صدام؟

"انتهاكات حقوق الإنسان سائدة على نطاق واسع جدا، إن لم تكن النمط المعتاد، في العراق. أما الفرق بين الحالتين فهو أن إحداها كانت تنفذ بتوجيه رسمي، فكان التعذيب يعتبر قمة نظام كان يكاد يعتبره عقابا مرغوبا فيه لمن يخالف الضوابط إبان دولة صدام. أما الآن فيحدث التعذيب نتيجة انهيار عام للسلطة، ونتيجة إخفاق الدولة في ممارسة السيطرة، في فرض القانون والنظام.
المشكلة هي أن الوضعين يختلفان. في الأول كان لدينا سلطة مركزية تمارس التعذيب كوسيلة مشروعة لمعالجة الانشقاق من أي نوع كان. والآن لدينا انهيار واسع الانتشار للقانون والنظام، ما ينتج عنه انتهاكات مروعة تحدث بأشكال مختلفة. تقوم جماعات غير معروفة بارتكاب تشويهات جسدية مروعة على الناس. جماعات تسللت إلى وزارة الداخلية وغيرها من أجهزة الحكومة، أو ربما تكون تابعة لها، تقوم أيضا بتشغيل السجون مثلا، حيث ترتكب الانتهاكات. لذا نجد أننا أمام وضعين مختلفين.
لقد انهار نظام دكتاتوري واختفى وتم القضاء عليه، ولم تظهر حال سياسية مستقرة بعد، وهناك تساؤلات حول ما تعنيه الهوية العراقية. كان قد تم تحديد ذلك من الأعلى إلى الأسفل، إن جاز التعبير. أما الآن فيترتب على كل عراقي أن يكتشف الأمر بنفسه، وهم الآن يتنازعون مع بعضهم البعض حول معنى الهوية العراقية في عالم ما بعد صدام.
إن بلوغ الانتهاكات هذا الحد يشير إلى إخفاق القوات المحتلة – أي الولايات المتحدة والقوى الغربية التي شاركت – في إنجاح هذه التجربة، كما إنه يشير إلى فشل السياسيين الذين ظهروا بعد عام 2003 في وضع نظام يمكنه العمل كبوصلة أو توجه نحو المستقبل, إنه وضع مختلف تماما."

** ** **

كنتَ قد أيدت غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة، فهل ما زلت تعتقد أنك كنت على صواب، وأنت تلقي نظرة إلى الوراء بعد ثلاث سنوات ونصف؟

"لقد ارتكبت، شأني شأن العديد من الآخرين، أخطاء في التقييم، ولكنني لا أعرف كيف يمكنني القول لأي أحد إن نتيجة الأخطاء التي ارتكبت منذ التحرير، فإن التخلص من الطغيان كان خطأ أيضا، ذلك الطغيان الذي عانينا منه في العراق. كان نظاما فريدا في طغيانه، حتى بالمقاييس المروعة المعروفة في الشرق الأوسط. يبدو لي أن الأمر لا بد من فصله إلى سؤالين من وجهة نظر أخلاقية، وليس سياسية.
أنا على يقين اليوم من أنه لا يمر يوم إلا والعديد من أفراد الإدارة الأميركية يندمون تأييدهم لمسألة التخلص من الطاغية واستبداله بنظام جديد. إنهم نادمون بالتأكيد لأنه الأمور لم تسر وفق المصالح الأميركية بشكل عام.
أما أنا كعراقي، ومن وجهة نظر شخص كانت الدكتاتورية وإساءاتها أثرت في حياته من أولها إلى مرور 30 عاما عليها – فلقد شاهدت ما كانوا فعلوا – لا يمكنني القول أبدا إن تأييد إطاحة تلك الدكتاتورية كان خطءا. وأتحدى أي إنسان أن يقول لي إنه كان خطأ.
يمكنك القول إن أشياء كثيرة أخرى كانت خاطئة، فالسياسات التي اتبعت لاحقا كانت خاطئة، والتوجهات المتعلقة بالحكومة كانت خاطئة، واختيار الأشخاص كانت خاطئة. نعم إنها جميعها محط قلق مشروع. النقص في التخطيط كان خطيرا. فشل العراقيين في معالجة خلافاتهم، وميل السياسيين العراقيين نحو تنمية الانقسامات الطائفية بدلا من التغلب عليها. نعم إنها أخطاء، بل أسوأ من أخطاء، فهي أمور مروعة حدثت لاحقا فدفعت هذه التجربة إلى ما هي عليه الآن، وهو وضع محزن.
يحزنني جدا أن أوروبا التي تمثل معقلا للقيم السامية التي أتتطلع إليها، وقفت متفرجة وتركت الشعب العراقي يعيش في ظل نظام العقوبات اللا إنساني الذي كان يفتك بالكثيرين. كما سمحت أوروبا باستمرار وضع الإساءات والطغيان التي كان يمارسه النظام، ولم تجد ضرورة أخلاقية، ناهيك عن ضرورة عملية للتخلص من ذلك النمط من الإساءات المنهجية المتفشية إلى ذلك الحد.
ثم اختارت الولايات المتحدة أن تتحرك، مهما كانت دوافعها، ومن وجهة نظري كعراقي فإن ذلك القرار أفضل بألف مرة – من الناحية الأخلاقية – من عدم تحرك الأوروبيين. لدينا مثلا تواطؤ ذلك العدد الكبير في الأمم المتحدة مع النظام السابق، الأمر الذي أصبحنا نعرف عنه الكثير بعد العثور على وثائق كثيرة داخل العراق في أعقاب سقوط النظام.
صحيح أن كل ما تتخيليه من أخطاء قد ارتكبت. الأميركيون لم يعدوا أنفسهم كما يجب، وهذه مسئولية تاريخية سيظلون يدفعون ثمنها لسين طويلة. أو أن العراقيين أنفسهم لم يرتقوا إلى مستوى الحدث – أقصد القيادة العراقية وليس الناس العاديين – لم يرتقوا إلى مستوى التحدي الذي نتج عن سقوط النظام. كل هذه مشاكل عميقة وخطيرة.
لقد ظهرت كل الشرور. كان من الممكن التعامل معها بشكل أفضل ولمنها كانت ستظهر في كل الأحوال. فكري بانهيار يوغوسلافيا السابقة، كيف تحول (ميلوشيفيتش) من شيوعي إلى صربي وطني متطرف بين عشية وضحاها، وكانت الشرور هناك أيضا فبدأت بالظهور. أما الكارثة التي لا تصدق هي أن هذه الشرور لم تُعامل كما يجب، فسُمح لها بأن تحكم، وهو ما يحدث في العراق اليوم. الأمر يحزنني، كفرد وكعراقي على حد سواء، ولكن الأمر لا يغير بأي حال من الأحوال قناعتي بالصواب الأخلاقي المتمثل في إطاحة النظام."

على صلة

XS
SM
MD
LG