روابط للدخول

أيام رمضان وقصته مع الرمان


خالد القشطيني

- مثلما تكون لكل مدينة او منطقة رائحتها الخاصة ، قبيحة او جميلة، نجد أن لكل موسم او شهر في السنة رائحته التي تخلد في ذكرياتنا و تعيش في نفسيتنا. أنا اتذكر من شهر ابريل عطر القداح ، براعم البرتقال و الليمون التي تتفتح في البساتين المحيطة ببغداد. في شهر مايو اتذكر عطر اوراد الجوري الحمراء التي تبدأ النسوة باستخراج " ماء الورد" منها. يلي ذلك موسم طلع النخيل. في اشهر الصيف يعج شارع ابي نوآس و شواطيء دجلة برائحة شواء السمك المسقوف، و هلمجرا. لشهر رمضان المبارك رائحة تخلد في نفوس الكثيرين منا. هناك من يتذكر رائحة شوربة العدس، او شواء الكباب، او دخان السكائر حسب ميول كل عائلة.

بالنسبة لي يرتبط شهر رمضان في نفسي برائحة الرمان. اعتقدت والدتي رحمها الله أن عصير الرمان يقطع العطش، فواضبت على إعداد كمية كافية منه لسحورنا استعدادا لنهار الصيف الطويل. ما أن ننتهي من الفطور و الأكل و اللعب و يقترب الوقت من منتصف الليل حتى نجتمع في الحوش حول المائدة المثقلة بالرمان الأحمراللذيذ. يستلم اخي مؤيد السكين و يبدأ بالتقطيع ، و يكون اخي مظفر قد غسل يديه جيدا ليبدأ باستخراج الحب من ارباع الرمان . و يشمر موفق عن ذراعيه ليشرع بعملية العصر المضنية. و تقوم والدتي بجمع العصير و تصفيته و اضافة السكر له ثم تبريده في الثلاجة انتظارا لوقت السحور.

و خلال ذلك يكون البيت برمته قد تلوث بقشور الرمان و عصيره و بذوره. حيثما تمشي تعثر بقشرة رمانة او يقرقع تحت قدميك شيء من بذورها. و يبقى الحوش يعج برائحة الرمان حتى اليوم التالي. كنا اسرة كبيرة من والدين و جدتي و ستة اولاد و بنات، مما يتطلب غالونات من العصير الخالص.

" اشربوا يا اولاد . انت ابني خالد ، اشرب! اشرب! انت ضعيف . تحتاج هواية رمان." كانت والدتي تقلق على نحافة بدني و شحوب وجهي و تتصور انني مصاب بالسل. و تعتقد أن الرمان مصدر جيد للحديد و الفيتامينات ينجي الأنسان من كل مرض. ما أن يدوي صوت المدفع الثاني مؤذنا بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود و ابتداء الصوم، حتى نهرع نحن الأطفال لنكرع ما استطعنا أن نكرع من عصير الرمان و كلنا على أمل في أنه سيتولى قمع شيطان العطش في اليوم التالي. يسيل ماء الرمان على وجوهنا و صدورنا و دشداشاتنا و نحن نحمد الله على بركته و نعمته ، ربنا الذي وهب بني آدم هذه النعمة الجبارة ، شجرة الرمان و فاكهتها اللذيذة.

شهر رمضان ، ككل المواسم الدينية لكل الملل و النحل، يتميز بجوه العائلي، باجتماع الأسرة ، صغارا و كبارا حول سفرة الأكل، فطورا و سحورا ، و نفائس الطعام. هكذا كنا نجتمع كبقية العوائل حول مائدة الفطور ، و لكننا في بيتنا ، كانت لنا مناسبة اخرى ثانية لهذا الأجتماع العائلي، اقصد بها موعدنا مع الرمان و عصره على مائدة الأكل، ليلة بعد ليلة.

مرت تلك الأيام و الليالي . و اختفت بغداد و العراق من افق حياتي و لكنني مازلت لا ارى الرمان في دكاكين لندن ، وهو شيء نادر، حتى ابادر لشراء كمية منه عالما تمام العلم أن الرمان الأسباني الذي يباع في اسواق لندن غير رمان مندلي الذي اعتدنا عليه، كل واحدة بحجم بطيخة ، و كل واحدة بحمرة شفتي كوليت دنيغان، و ربما بحلاوتهما ايضا. احمل هذه الرمانات الأسبانية بيدي فتذكرني برمان العراق و رمضان بغداد و ايام عصر الرمان و عصيره، مثلما تذكرني هذه الأيام المباركة من شهر رمضان الشريف برائحة الرمان و قشوره و بزره و مائه. ظل الأثنان متلازمين في روحي و نفسيتي.

في هذه الأيام الرمضانية المباركة التي مرت ، خطر لي أن اتسائل من الأخوان و الأخوات في لندن، عما يتذكرونه من ايام رمضان في طفولتهم و ديارهم الخاصة . حكيت لهم عن طقوسنا في البيت و حكاية الرمان و تعلق والدتي به كمادة مضادة للعطش. نظرت الحاجة أم فاضل في وجهي في عجب و قالت: " الرمان؟! الرمان يا عزيزي هو الذي يسبب العطش! من اين جاءت امك يرحمها الله بهذا الأعتقاد؟ كل الناس في العراق يعرفون ان الرمان يعطش الأنسان! نحن في البيت كنا نعتمد على نقيع الطرشانة ( المشمش المجفف) . هذا هو الذي يقتل العطش."
المسكينة والدتي ، عليها رحمة الله. كم كانت تعاني من العطش! الآن فهمت!

على صلة

XS
SM
MD
LG