روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد القشطيني

برنامج(ايام الخير) الاسبوعي موعده الان، وقد خصص (خالد القشطيني) للحديث عن (حكايات تتعلق بالمقالب التي تحصل بين المدشديشين والمبنطلين ايام الحكم الملكي في العراق)

ايام الخير

- في هذه الايام التي يكثر فيها الحديث عن تشرذم العراق الى شيعة و سنة ، ومسلمين ونصارى، ننسى هذا الانقسام العميق بين المدشدشين و المبنطلين، لابسي الدشداشة و لابسي البنطلون. كان لهذا الانقسام حكايات ملحمية في تاريخ العراق. ترتب على هذا الانقسام كثير من المقالب.
كان من المبنطلين في العشرينات السيد غازي نفيسة، مأمور استهلاك قضاء الشامية، في لواء الديوانية. كان يلبس السترة و بنطلون و القميص و الرباط كسائر الموظفين. ذهب لزيارة بغداد و عاد بعد بضعة ايام من القصف و العربدة. اخذ قطار البصرة المار بالديوانية . و كموظف محترم ركب في الدرجة الاولى. ابت النفس النفيسة للسيد نفيسة ان يركب القطار مع المدشدشين الغوغاء في الدرجة الثالثة. ما ان استقر في المقصورة حتى راى رجلا يلبس الدشداشة و العقال يدخل المقصورة . عاجله بالسوآل " تسمح لي سيد. هذي درجة اولى." اجابه الرجل ، نعم استاذ . اعرف. انا حاجز فيها." ازداد مأمور الاستهلاك عجبا و اشمئزازا. قال لنفسه ، "عجايب! وين وصلت بينا الدنيا بهالزمان؟! المعقلين و اهل الدشاديش صاروا يركبون بالدرجة الاولى. هذي كلها من ورا الحكم الوطني. طلعوا عيون الناس! المعيدي و الافندي صاروا سوا!"
و لكنه كتم غيظه و جلس يجامل رفيق السفر. جرهما الحديث الى موضوع تطوير الشامية التي تقدم سكانها بعريضة الى وزارة المالية يطالبون فيها بتأسيس مجارش عصرية لطحن الحبوب و جرشها و مكابس للتمور و بناء سايلو لخزن الحنطة فلا يضطر المزارعون الى بيعها بيعا رخيصا عند الحصاد. جاء دور مأمور الاستهلاك ليعلق على هذه المقترحات فقال انها جميعا من افكار الشيوعيين ، يريدون يقطعون خبز الناس من امثالي. . فراح يروي كيف انه كمأمور استهلاك لا يترك كيس حنطة يمر بدون ان يأخذ حقه منه ، لأنه في هذا البلد لا يستطيع الموظف ان يعيش براتبه فقط بدون رشوة. قال: " مثل ما تشوف، احسن ملابس البس! ربطتي كلها حرير . زوجتي طامسة بالذهب. احسن عيشة عايش. ما اسافر الا بدرجة اولى . و كلها من وين ؟ من وظيفتي في وزارة المالية. مأمور استهلاك الشامية. و هالكلاب الشيوعيين جايين يريدون يخربون عيشتنا. يريدون يبنون سايلو للحنطة! يطالبون بمكبس للتمر. اوف! الله يلعنهم، هالكفرة اللي ما يعترفون حتى بوجود الله."
لاحظ السيد غازي نفيسة ان هذا الرجل المعقل ، المدشدش، المنعل، كان يستمع اليه باهتمام كبير. استغرب كثيرا من ذلك ، لأن من عادة العرب ان يتكلموا لا ان يستمعوا لغيرهم. ازداد استغرابا عندما وجد ان هذا الرجل لم يتطرق قط الى موضوع الحريم و النسوان و بنات بغداد. بدلا من ذلك راح يسأله عن احوال الشامية و كيف الزرع و الماء. اجابه باقتضاب: " انتو يا المعدان مصيبتكم كبيرة. الحكومة تعطيكم فلوس تروحون تاخذون بيها مرة او تشترون تفكة تتقاتلون بيها."
اخيرا وصل القطار مدينة الديوانية ، فلاحظ السيد غازي نفيسة كل مصابيح المحطة مضاءة و الرصيف نظيف ولا يوجد أي شحاذين عليه بل و لا حتى بياعات اللبن و القيمر. ما ان توقف القطار نهائيا حتى لاحظ متصرف اللواء السيد عباس البلداوي و قائد الجيش العقيد فاضل موسى و مدير الشرطة و كل وجهاء البلد يخفون الى هذه المقصورة . يفتحون الباب و يرحبون بهذا المسافر المدشدش. : " الحمد لله عالسلامة معالي الوزير، اعطيني يدك صاحب المعالي ... استغفر الله..."
فتح مأمور الاستهلاك النافذة الجانبية ليسأل احد الشرطة : " " منو هذا الرجال بالدشداشة و النعال؟"
" ما تعرفه ؟ وهو كان قاعد وياك ؟ هذا الحاج عبد المحسن شلاش، وزير المالية. جاي يبحث موضوع السايلو و مكبس التمر و يفتش احوال الموظفين هنا."

على صلة

XS
SM
MD
LG