روابط للدخول

حلقة جديدة


خالد قشطيني

- يتذكر معظم العراقيين من ابناء الجيل القديم اسطورة الطيار كاظم عبادي في حرب 1941 ضد بريطانيا و كيف وجد ان عتاده قد نفذ فقفز من طائرته الى الطيارة البريطانية التي كان يطاردها و استولى عليها بمسدسه. انها واحدة من الاساطير المختلفة التي تروجها الشعوب في حروبها. و لكن كاظم عبادي رحمه الله كان من الشخصيات المحبوبة الكريمة ، ربما لهذا اختاوه بطلا لهذه الاسطورة. بيد ان هناك حكاية اخرى اقرب للحقيقة، بل هي حكاية حقيقية ارتبطت بسيرته كضابط اقدم من ضباط القوة الجوية العراقية.

- كانت الحكومة العراقية قد شرعت ببناء بيت متواضع في سرسنك تقضي فيه الاسرة المالكة ايام الصيف في كردستان التي تعتبر من اجمل المنتجعات الصيفية في العالم. خطر للآمير عبد الاله ، الوصي و ولبي العهد، ان يذهب الى سرسنك المجاورة لمدينة الموصل، ليتفقد تقدم البناء في ذلك البيت. اتصل بكاظم عبادي و اخبره برغبته للسفر الى الموصل جوا، و طلب منه ان يعد له طائرة النقل العسكرية لتنقله اليها. و سأله ان يرشح احد الطيارين الكفوئين لقيادة الطائرة. لم يتردد في ترشيح حردان التكريتي كأحسن طيار متوفر للقيام بهذه المهمة.

- جاء اليوم المحدد فحضر الامير عبد الاله مع عدد من مرافقيه الى المطار العسكري و استقبله هناك آمر القوة الجوية و اقتاده الى الطائرة حيث كان حردان التكريتي و كاظم عبادي في انتظاره. انطلقا بهم الطائرة العسكرية شمالا نحو مدينة الموصل بقيادة حردان. و لكن كاظم عبادي لم يتمالك نفسه كطيار من الذهاب و الدخول في قمرة القيادة ليصاحب زميله قبطان الطائرة لبضع دقائق و يتبادل بعض الكلام معه. وجد الجو داخل الطائرة ساخنا نوعما وهو في بزته العسكرية الثقيلة فنزع سترته و علقها على تحد الكلاليب و مضى بالثوب و البنطلون تاركا سترته وراءه.

- حدث ان جرت تلك السفرة في نهاية الشهر و كان كاظم عبادي قد استلم راتبه قبل رحيله و وضع المظروف الذي يحتوي الراتب في جيب سترته الداخلي. و لكن الطائرات العسكرية لم تصمم لتكون كنتور لتعليق الملابس فتكركبت سترته بما جعل المظروف ينط برأسه من الجيب.

- لاحظ سمو الامير ذلك و ادرك ما احتواه المظروف من فلوس. فأحب ان يداعب صاحبه. التفت الى مرافقيه و اشر لهم بالسكوت. ثم مد يده و استل المظروف من جيب السترة و وضعه في حقيبته. ثم جلس ساكنا في مكانه و كأن أي شيء لم يحدث. مرت الطائرة فوق بساتين العنب و النخيل لمدينة بلد، عبرت فوق نهر دجلة عدة مرات من الشرق للغرب و من الغرب للشرق و تركت تحتها ملوية سامراء ثم هذه القرية الفقيرة المتواضعة ، تكريت ، ببيوتها المتداعية حتى لاحت منائر مدينة الموصل على الأفق.

- وصلت الطائرة و خف متصرف اللواء و كبار الموظفين لاستقبال الضيف الكريم و حاشيته÷ ثم جلس الضيوف في غرفة الاستراحة ليتناولوا الشاي و القهوة و المرطبات التقليدية . كان قبيل ذلك قد التقط كاظم عبادي سترته في الطائرة و لبسهات. و عندما حضرت السيارات لنقلهم الى سرسنك، لاحظ كاظم عبادي ان ذلك المظروف اغلاسمر الذ احيتوى راتبه الشهري لم يعد في جيبه. راح يفتش كل جيوبه عبثا، ركض نحو الطائرة و فتشها مليا. كلا لم يسقط المظروف في أي مكان منها. و كما نتوقع من أي مواطن عراقي يعيش على راتبه ، اصفر و احمر وجهه، و على الدم في عروقه على غير عادته. ضابط طيار في مثل مككانته، يسرقون نقوده من جيبه! الله اكبر! اين وصل بنا الأمر؟!

- عاد الى صالون الأستقبال فسمعه المير عبد الاله يدمدم غاضبا في الممر خارج الصالون و يصرخ بالخدم و الحرس و الشرطة وكل من كان حاضرا: هايى هي ابن حرام باك فلوسي؟ يعني واحد ما يقدر بهالبلد تغفل عينه دقيقة حتى يسلبوه؟ بس اريد اعرف منو هالابن الحرام اللي مد ايه بجيبي و اخذ الظرف؟

- لم يفلح بشيء و عاد الى الصالون مهموما مدحورا و الغضب باد علىوجهه. وقد بدأ الركب الملكي بالاستعداد للرحيل. التفت الامير عبد الاله الى ضابطه الطيار و سأله ببرائة مصطنعة، هاي شنو مقدم كاظم ، يبين ما مرتاح؟ خير انشا الله؟ فأجابه الرجل، لا و الله سيدي مسألة بسيطة ما اريد ادوخ راسك بيها . و لكن الوصي اصر عليه ان يفصح و يدلي بالأمر. فاضطر الضابط ان يصرح بما جرى. سيدي ناس ما عندهم وجدان باكو راتبي من جيبي و آني اليوم استلمته.

- ضحك الأمير عبد الاله مع ضباطه المرافقين عندما مد الوصي يده الى محفظته ، فتحها و اخرج المظروف منها ضاحكا و سلمه اليه. " عدها! عدها مقدم كاظم. اتأكد ما اخذنا منها شيء، و بعدين تتهمنا!!"

- ساد الضحك و المرح في جوانب الصالون و لم يعرف كاظم عبادي كيف يعتذر لسمو الامير عما قاله، بل و لكل الخدم و الحرس الذين اتهمهم ظنا و سوء بالظن.

- و كانت ايام خير، ايام ضحك و دعابة ، ايام يوم كان العراقيون يعرفون معنى الضحك و يضحكون. ايام خير و ضيعناها. ئي والله.




على صلة

XS
SM
MD
LG