روابط للدخول

زيارة الملك غازي إلى ناحية اللطيفية


خالد القشطيني – لندن

العراق بلد غني بالطيور الوحشية كالدراج والخضيري والحجل والحمام والبط الوحشي. كانت الأهوار، في ايام الخير عندما كانت هناك أهوار في الجنوب، تعج بصورة خاصة بهذه الطيور وتجعلها فتنة وكعبة للأجانب الذين يستمتعون بصيدها. فيما تركز البط في منطقة الأهوار، انتشرت طيور الدراج في سائر أنحاء العراق. اعتاد حتی سكان العاصمة بغداد على الخروج لصيدها في المناطق المجاورة.

من أشهر هذه المناطق في المنطقة الوسطى الحقول المحيطة بناحية اللطيفية، قرب قضاء المحمودية. كان السيد مشكور أبو طبيخ مديرا لهذه الناحية في سنة 1934. في موسم صيد الدراج، كان جالسا في بيته يتناول الشاي مع أسرته كالعادة في يوم كثير المطر من أيام الربيع عندما دخل عليه الخادم وقال: "أستاذ أكو واحد عصمانلي بالباب يريد يشوفك." كان الريفيون والعوام عموما في ذلك الزمن يقصدون بكلمة (عصمانلي) عثماني. ويعنون بها بالضبط أفندي، أي الرجل المتعلم من الفئة الحاكمة. قال له مدير الناحية: " اسأله ماذا يريد". خرج الخادم ليسأل ذلك الطارق عن حاجته. ثم عاد إلى سيده المدير ليخبره بأنه يريد مساعدته. سيارته غاطسة بالطين." كل هدومه وقندرته مطينة. شلون أجيبه؟ راح أروح اصرفه." فقال له مشكور أبو طبيخ: " لا ابني لا. يمكن هذا بعدين يرجع لبغداد يحجي علينا. يمكن يطلع واحد من أبناء الذوات و يسوي لنا قيل وقال. يقول أهل اللطيفية ما عندهم مروة و لا شهامة. روح جيبه. خلي يخش. طين مو طين."

خرج الخادم وجاء بذلك الرجل العصمانلي غارقا بالطين. ما أن رآه مدير الناحية حتى هب من مكانه وأسرع إليه ليرحب به ويعتذر منه: " سيدي ما كنا نعرف. ما ندري أنت هنا حتى نقوم بالواجب. قوم أبو حسين. قوم روح جيب ماي واغسل قندرة صاحب الجلالة."

لم يكن الطارق (العصمانلي) غير جلالة الملك غازي رحمه الله. كان الملك قد خرج مع من خرجوا لصيد طيور الدراج في اللطيفية. ركب سيارته المتواضعة وحمل بندقيته وخرج بدون حرس ولا مرافقين ولا أصحاب ولا حاشية ملكية. هكذا كان الملك غازي يحب أن يخرج كواحد من أبناء الشعب. وهي طبعا الميزة التي حببته للشعب العراقي . كان النهار لسوء حظه نهارا ممطرا حول الأرض إلى بوتقة من الطين والوحل. ما أن توغل بسيارته بضعة أمتار في الأرض المبتلة وقبل أن يصادف دراجا واحدا أو يطلق طلقة واحدة، حتى غرست سيارته بالطين. وكما يقولون، كان الله رحيما بالطيور في ذلك اليوم، وبجانب الدراج لا بجانب الملوك. حاول المك غازي إخراج سيارته بقوة الماكنة، ولكنه كلما حاول ذلك ازدادت غرسا في الوحل حتى يئس من إخراجها ولم يبق لملك العراق غير أن يقصد بيت مدير الناحية ليلتمس مساعدته.

" يا أولاد، جيبوا ماي وفرشة نظفوا قندرة الملك." انطلق الخدم والحرس فنزعوا قندرة الملك غازي، ينظفونها من الطين ويغسلونها ويمسحونها في حين انهمك آخرون في تنظيف بنطلونه وجواريبه بقدر ما يتسع الحال. في حين أسرعت زوجة مدير الناحية إلى إعداد الشاي والكعك وما تيّسَرَ من الزاد. سمع اثناء ذلك عمال كراج اللطيفية بما حصل للسيارة الملكية فخف الزلم وأهل الحمولة لرفعها من حفرتها وإعادتها إلى الطريق العام: " دير بالك يا ولد! هذي سيارة الملك غازي، لا توسخها!" جاؤا بالماء، سطلا بعد سطل، والكل يعتزون ويبتهجون في أن أعطاهم الله هذه الفرصة ليتباركوا بغسل سيارة الملك الشاب، الحبيب لقلوب سائر العراقيين. غازي بن فيصل بن الحسين.

شكر جلالة الملك ضيافة مدير الناحية مشكور أبو طبيخ، ومساعدة أهل الناحية في إخراج سيارته. صافحهم واحدا واحدا وشكرهم على حسن عملهم وانطلق عائدا إلى بيته في الحارثية، خائبا في صيده، ولكن عامرا بحب شعبه. التفت مدير الناحية إلى الفرّاش: " ولك يا أبو حسين ، شلون تقول واحد رجال عصمانلي ؟ ما تعرف الملك مالك؟"

" استاذ و الله ما عرفته. ما يفرق بشي عن بقية الناس. حاله حالهم. جاي بطرق الثوب والبنطلون. لوما أنت تقول جيبه خليه يخش، كان طردته."

أيام الملك غازي، أيام ما زال يذكرها أبناء العراق. كانت أيام من أيام الخير اللي راحت وياهم .. ويا الملك غازي، ويا ابنه الشهيد، وياهم كلهم. كل أهل الخير. .. اللي راحوا ... ئيـــه اللي راحوا وأخذوا الخير وياهم.

على صلة

XS
SM
MD
LG