روابط للدخول

حرية التعبير في الحياة السياسية العراقية أيام زمان


خالد القشطيني


اشرت في مناسبات سابقة الى ما كان يجري في مجلس النواب العراقي في ايام الخير من مناقشات حادة وتحديات للحكومة كثيرا ما اضطرها الى تعديل نهجها او التخلي عن مشاريع تبنتها رغم قلة عدد المعارضين لها. ولكنها كانت تحترمهم لكونهم النخبة الواعية. ئي نعم، في ذلك الزمن، زمن ايام الخير، كان المسؤولون يجلون المثقف الواعية رغم اختلافهم معه. في مناسبات اخرى كانت تضطر الى حل المجلس واجراء انتخابات جديدة. هكذا كانت تصرف الامور بالتشاور والحوار.

لم ينحصر هذا التشاور بين جدران قاعة البرلمان. كان الكثير من المناقشات الحادة وغير الحادة يجري في البلاط الملكي، بحضور الملك والوصي على العرش في غياب الملك. كان رئيس البلاد كثيرا ما يدعو رئيس الوزراء وممثلي المعارضة ومن نسميهم تقليديا بأصحاب الرأي للتشاور والنصيحة في أي امر مهم للبلاد.

من هذه الجلسات الصاخبة التي جرت في مكتب سيد البلاد ما عرف فيما بعد بمؤتمر البلاط. جرى ذلك عام 1952 بعد المظاهرات الشعبية التي انطلقت من كلية الصيدلة وادت الى اسقاط الحكومة. نعم، فمن مميزات تلك الأيام ان المظاهرات كانت تخرج لتندد بالحكومة وتنادي باسقاطها لا لتؤيدها وتصفق لها. وكان من طلبات المظاهرات تعديل قانون الانتخابات بحيث يحل الانتخاب المباشر محل الانتخاب غير المباشر، او الانتخاب على درجتين. ففي هذا النوع من الاقتراع ينتخب الجمهور عددا من الناخبين الثانويين، عشرين او ثلاثين، ثم يقوم هؤلاء بانتخاب النائب عن المنطقة. الفكرة وراء ذلك هي ان الناخبين ما زالوا اميين وغير ملمين بالسياسة. الأفضل لهم ان ينتخبوا من هم اكثر معرفة منهم من اخيار المنطقة ويقوم هؤلاء بانتخاب النائب المناسب. غير ان المعارضة وجدت ان ذلك يفتح المجال للحكومة وذوي النفوذ ليأثروا على هؤلاء الناخبين الثانويين ويحملوهم على اختيار شخص معين موالٍ للسلطة. فطالبت المعارضة بإلغاء ذلك واستبداله بالانتخاب المباشر.

حضر مؤتمر البلاط معظم زملاء البلاد، رؤساء الأحزاب السياسية، كامل الجادرجي من الحزب الوطني الديمقراطي ومحمد مهدي كبة رئيس حزب الاستقلال وطه الهاشمي وصالح جبر ونوري السعيد وحكمت سليمان ومصطفى العمري وسواهم. و ترأس الاجتماع الأمير عبد الأله.

طالب ممثلو المعارضة بتعديل القانون واعترض عليهم توفيق السويدي الذي تمادى في الكلام فقال ان الشعب مازال متأخرا وجاهلا. ترى ربة البيت تخرج بماء الوسخ و تكبه في الشارع ولا تكبه في بالوعة بيتها لئلا تمتلئ البالوعة بسرعة. احتج الآخرون على ذلك بشدة واعتبروه اهانة للشعب العراقي . طالبوا السويدي بسحب ما قاله.

ثم تكلم طه الهاشمي، رئيس حزب الجبهة الشعبية، فانتقد البلاط لتدخله في اختيار الوزراء و فرضهم على رئيس الحكومة. وتحدى رؤساء الوزراء الحاضرين اذا كان أي منهم قد اختار وزراءه بحرية. قال هذا سبب المفاسد في البلاد. اثارت كلماته الأمير عبد الاله فرد عليه قائلا انه انما كان يقترح الاسماء فلماذا تطيعونني وتلتزمون باقتراحي؟ اللوم عليكم. ثم جرت مشادة بينهما اضطرت الوصي على العرش الى ترك الغرفة لعدة دقائق حتى هدأ ورجع للجلسة. ولكنه ما ان عاد حتى اصطدم مرة اخرى بطه الهاشمي فاتهمه بالكذب والافتراء. رد عليه الهاشمي بأنه ليس كذابا. بل ولم يكذب طيلة حياته. ثم اخذ اوراقه وهمّ بترك الاجتماع. وعندها اوقفه عبد الاله وقال له اجلس ودعني اكمل كلامي.

جلس طه الهاشمي مجاملة لأقل من دقيقة وخرج. ما ان خرج حتى لحق به كامل الجادرجي وعدد من الحاضرين. ثم اجتمعوا واصدروا بيانا شجبوا به تصرفات الوصي وولي العهد وبعثوا به الى رئيس الديوان الملكي. سرت انباء ذلك الى الأوساط العامة وطلبة الكليات فتجددت المظاهرات بما ادى الى اشعال الموقف بانتفاضة اخرى ادت الى سقوط وزارة مصطفى العمري وتأليف حكومة جديدة.

كان مؤتمر البلاط هذا واحدا من الاجتماعات العديدة التي كانت تعقد في البلاط الملكي وتجري في مناقشة شؤون البلاد بقدر كبير من الحرية والنقد. لم نسمع عن احد من الحاضرين يتعرض للأعتقال او التنكيل به بسبب ما قاله فيها. كانوا يختلفون في اجتهاداتهم ولكنهم عموما كانوا يسعون لتطوير البلاد وترقيتها . كانوا يريدون الخير في تلك الايام من ايام الخير.

على صلة

XS
SM
MD
LG