روابط للدخول

(ملكة العراق) ترقد منسية في مقبرة بريطانية ببغداد


ميسون أبو الحب

كانت تحمل في أحد الايام لقب ملكة العراق غير انها ترقد الآن في قبر منسي في مقبرة بريطانية في بغداد. لعبت هذه المرأة دورا مهما في تاريخ العراق الحديث وكانت وراء رسم حدوده الحالية كما ساهمت في انشاء الملكية فيه في عشرينات القرن الماضي..

فتح حارس المقبرة بوابة أصدرت ضجيجا ثم قاد الزائر إلى صف من القبور شبه المهدمة ثم قال وهو يشير إلى أحدها " انها هناك. انا اعتني بها ولكن لا أحد يزورها ". إنها جيرتروود بيل الرحالة والكاتبة واللغوية البريطانية وأهم امرأة في فترة عشرينات القرن الماضي ومستشارة بناة الامبراطورية وكاتمة اسرار الملوك.
كانت جيرتروود بيل وزيرة الشرق بالنسبة للحكومة البريطانية. فهي التي رسمت حدود العراق الحديث على أشلاء الامبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الاولى مع عدد من زملائها المستعمرين البريطانيين الذين جمعوا بين ثلاثة اقاليم هي الموصل وبغداد والبصرة بهدف حماية مصالح بريطانيا.
في عام 1921 كتبت بيل إلى ابيها " امضيت الصباح في مكتبي أرسم حدود العراق الصحراوية من ناحية الجنوب ".
ما نجم عن هذه الخطة وهذه الحدود دولةٌ ذات حكومة مركزية تجمع بين ثلاثة شعوب لها اهداف مختلفة ومعتقدات مختلفة وهي الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب ثم السنة في الوسط.
بيل ساهمت أيضا في وضع عدد من السياسات التي تبناها حزب البعث المنحل فيما بعد. مثلا عملت على ضمان ان يسيطر السنة الذين كانوا مقربين إلى السنة العثمانيين، على الحكومة العراقية وعلى الجيش وان تبقى الاغلبية الشيعية التي كانت بيل تعتبرهم من المتطرفين الدينيين تحت القمع وان يحرم الأكراد من حكم ذاتي كي تتمكن لندن من السيطرة على حقول النفط الشمالية ومن استخدام المنطقة كسد في وجه الروس.
في رسالة أخرى كتبت مس بيل تقول " لا اشك ولو للحظة في ان السلطة الأخيرة يجب ان تكون بيد السنة رغم قلة عددهم، والا نشأت دولة تيوقراطية سيئة جدا ".
بعد سنوات من ذلك التاريخ فرض صدام حسين فكرته عن القومية العربية بقوة السلاح وأعدم عشرات الآلاف من الشيعة وأقام نظاما يعتمد على الانتماء القبلي والاسري. سياسات صدام ازاء الشيعة والاكراد زادت من حدة الخلافات بين الكتل الثلاثة.
وكالة رويترز أشارت في تقريرها إلى ما قاله الرئيس جلال طلباني عند سؤاله عن سبب كثرة نقاشات السياسيين العراقيين حول الحكومة الجديدة، طلباني قال " هذا هو العراق الذي أنشأه اصدقاؤنا البريطانيون ".
استاذ تاريخ الشرق الاوسط في جامعة ميشيغان، خوان كول قال من جانبه " السياسات البريطانية خلقت عراقا غير متوازن وجيرتروود بيل أدت دورا كبيرا في هذا المجال ".
نشأت جيرتروود بيل في اسرة ارستقراطية في بريطانيا وعاشت في بغداد تختلف كثيرا عن بغداد اليوم. كانت بيل ترتدي لباسا اسلاميا وقبعات ذات ريش وتمضي أوقاتا في التمشي على شاطئ دجلة. بيل وصفت في رسائلها بغداد كمدينة لحفلات الشاي والرحلات النهرية ولقاءات السباحة ومآدب الغداء في مقصورات مباني كان يشغلها مستعمرون بريطانيون.
غير انها كتبت في احدى المرات بعد ان وقع تمرد في بغداد واستخدم البريطانيون قنابل وغازا ساما ضد المعارضين، كتبت تقول:
" لقد اخطأنا في تقدير حقيقة ان هذا البلد هو مجرد مجموعة فوضوية من القبائل التي لا يمكن اخضاعها لاي نوع من الانظمة ". وكتبت بيل أيضا قبل خمسة اعوام من وفاتها تقول " يمكنك التأكد من أمر واحد وهو انني لن أعمل في خلق ملوك مرة أخرى، هذا امر يسبب الكثير من التوتر ".
توفيت جيرتروود بيل في عام 1926 بسبب تناولها جرعة زائدة من الحبوب المنومة. ووقف الآلاف يتابعون مسيرتها الأخيرة إلى مثواها الأخير في المقبرة البريطانية في بغداد.

على صلة

XS
SM
MD
LG