روابط للدخول

اهتمام المثقفين العراقيين بإقامة الجراديغ على ضفاف دجلة


خالد القشطيني

الاستاذ خضر الطائي من شعراء العراق الذين هضمت حقوقهم و قل ذكرهم و قضوا جل حياتهم الأدبية و العملية مشردين في الأقضية و النواحي. و بسبب ضيق ذات اليد كان يضطر لنشر دواوينه الشعرية الى التوسل بالآخرين ليجودوا عليه بكلفة الطبع. احيانا يعدهم بأعطائهم مائة نسخة من الكتاب مثلا. تبرع له ذات مرة بالكلفة بقال بسيط في السوق على شرط ان يضع اسمه في الكتاب فيقول راجع هذا الديوان و قام بتصحيحه السيد الفاضل فلان ابن فلان. و اصبح ذلك نكتة في ان تكون قصائد هذا الشاعر و الأديب ومدرس اللغة العربية قد راجعها و صححها له ابو حسين الكبابجي او ابن الحجية الطرشجي .و لكن ما المهم؟ ما المهم اذا كان الشاعر سيحصل على قصائده مطبوعة في ديوان انيق تفضل على طبعه ابو حسين الكبابجي. يعرف زملاؤه حقيقة الأمر فيضحكون و يستأنسون . و بمثل ذلك سيستأنس الأخ الكبابجي وهو يرى اسمه على ديوان شعر محترم و يقترن اسمه بأسم شاعر معروف.

يعرف قليل من الناس، ما جاد به خضر الطائي من فضل على فن الغناء و المقام العراقي . فالمعروف و الواقع هو ان سيد المقام العراقي محمد القبانجي رحمه الله لم يكن اكثر علما او ثقافة من ابو حسين الطرشجي او ابن الحجية الطرشجي. كان الرجل هذا الفنان الكبير، مجرد قبانجي في علوة والده يزن الحنطة و الشعير للناس. و لكن شاءت الصدف ان يلتقي محمد القبانجي بالأستاذ خضر الطائي في مقهى رديف حيث كانا زبونين مداومين من زبائنه. وهناك بعد تعرفهما بعضا ببعض، اخذ معلم اللغة العربية يعطي دروسا لسيد المقام العراقي في شؤون اللغة و الأدب العربي. النحو و الصرف و الاعراب و كيف تقرأ الشعر الكلاسيكي و تلفظ الكلمات العربية الفصحى و هلمجرا. و هكذا نجد اننا مثلما نشعر بأننا كعراقيين مدينون لما احدثه محمد القبانجي و تركه وراءه من فن المقام، كان القبانجي مدينا لخضر الطائي في صقل لغته. لا ندري ما اذا كان ذلك الشاعر المغمور قد ساعده ايضا في اختيار قصائده الغنائية ، يا راهب الدير هل مرت بك الأبل ... ونحوها. و لا ندري كذلك ما اذا كان القبانجي ايضا قد ساعد الشاعر في طبع اعماله.

بدون شك، لابد انه قد دفع عنه فلوس الشاي و القهوة من حين لآخر، ان لم نقل ايضا اشترى له ماعون كباب بين يوم و يوم.

لم يكن خضر الطائي شاعرا او اديبا و حسب ، بل و كان ايضا باحثا و ناقدا ايضا. ففي عام 1943 فاز بالجائزة الأولى التي نظمها نادي الجزيرة في الموصل لأحسن دراسة عن الشاعر العباسي ابي تمام الطائي. وهذه نقطة اخرى نجهل امرها. هل تصور خضر الطائي انه حفيد ابي تمام الطائي؟

سبق و ان قلت ان هذا الشاعر المغمورالجانب قضى سنين طويلة من عمره معلما بسيطا في المدارس الابتدائية في المدن و القصبات النائية من العراق. اشتغل في الرمادي و راوة و هيت و كبيسة و غيرها من الأماكن. الطبع كان يتحرق شوقا الى بغداد كأي بغدادي اصيل. بغداد ست البلاد و اللي يشرب ميها لازم يرجع و يعاد. شعر بهذا الشوق اليها عندما كان مديرا لمدرسة الرمادي الابتدائية عام 1941 فبث همومه و عواطف اشواقه في قصيدة طويلة اشتهرت بين الناس. بث فيها معانة نأيه عنها و شروده عن حياتها الهنية في تلك الأيام الهنية ، ايام الخير ، فقال في مطلع القصيدة:

إلام يوسعني نأيا و تبعيدا
عيش قضيت به الأيام تشريدا

نشرت هذه القصيدة عندئذ في الصحف العراقية المحلية و قرأها الجمهور و اعجبوا بها . كان بين من قرأوها السيد سامي شوكت، الذي كان عندئذ مديرا عاما لوزارة المعارف. و رغم ان سامي شوكت لم يكن معروفا كرجل من رجال الأدب و الشعر ، فإنه اهتز لعواطفها الجياشة . فقال هذا شاعر يعاني من غيابه عن بغداد و يحن الى حياتها. حرام علينا ان نبقيه بعيدا عنها. فنادى على مدير الذاتية و قال له اصدر على الفور امرا بنقل المعلم خضر الطائي من مدينة الرمادي الى بغداد. بعد ايام قليلة ، فوجيء الشاعر بهذا الكتاب الرسمي بنقله الى حبيبة قلبه بغداد ، دون ان يطالب هو بذلك، او يوسط احدا لنقله. كانت مجرد استجابة انسانية لرغبة انسان شاعر . فعل من افعال الخير. ئي نعم. لأن كانت الأيام ايام خير. و كان الناس يحترمون العواطف و الحقوق.

على صلة

XS
SM
MD
LG