روابط للدخول

حب العراقيين واهتمامهم بالقراءة واقتناء الكتب


خالد القشطيني


طالما قيل في اسواق الكتب العربية ان المصريين يكتبون واللبنانيين ينشرون والعراقيين يقرأون. ولهذا فمن الملاحظ بين الناشرين ان ينظروا اولا هل سيُقبل العراقيون على شراء هذا الكتاب او ذاك قبل نشره. يصدق هذا حتى في الوقت الحاضر حين راح العراقيون يواجهون كل هذه المصاعب الاقتصادية والأمنية. لقد ظل حرصهم على المطالعة والتزود بالثقافة والمعلومات شغلهم الشاغل. وبالطبع إن دل ذلك على شيء فعلى تعطش هذا الشعب للمعرفة ومواكبة آخر تطورات العصر.

كان سوق السراي، وهو سوق الكتب في بغداد، من اكثر اسواق بغداد نشاطا وحركة. وبالإضافة اليه، انتشرت مكتبات شعبية صغيرة في شتى المحلات. اعتاد من لم تسعفه حاله على شراء الكتب، استئجارها منها بعشرة فلوس او حتى اربعة فلوس احيانا. يأخذ المشترك الكتاب الى البيت فيقرأه هو واولاده وجيرانه واصحابه قبل ان يعيده للمكتابة، و كله باربع فلوس. الله يزيد الرخص.

حرص آخرون من المتمكنين على اقتناء الكتب واقامة مكتباتهم الخاصة في بيوتهم. اشتهر منهم الحاج عبد الحميد العلوجي. اكتسب هذا اللقب لأن والده كان يملك علوة في منطقة الوشاش. وفيها قضى عبد الحميد، ابو غسان، شبابه يتعامل مع الحنطة والشعير والطحين ونحو ذلك من بضائع العلوات. ولكنه اظهر اهتماما كبيرا بالأدب والثقافة و دأب على اقتناء الكتب ومطالعتها. وبعد ان توفى والده السيد عبد الكريم، اخذ يكرس جل وقته للقراءة ولمكتبته الخاصة بما ادى الى افلاس العلوة التي راحت الكتب تبتلع كل ارباحها.

كان ابو غسان يمثل الشخصية العراقية في نزوعها الى العصرنة والتطور والحداثة. فجل ما احتوته مكتبته كان من الكتب المترجمة عن الأدب العالمي، تولستوي، وشارلس دكنز وفكتور هيوغو ونحوهم. كان يقول ان الروايات العربية لا تثير في نفسه غير القرف ووجع الرأس. كان يمقت حتى قراءة اعمال نجيب محفوظ. ولم يحز في نفسه شيء كجهله في معرفة اللغات الأجنبية ليقرأ هذه الكتب بلسانها الأصلي. اخيرا جمع ما في نفسه من شجاعة فانتمى الى المعهد الفرنسي لتعلم لغة فكتور هيغو وبلزاك، بيد ان المحاولة لم تثمر عن شيء فانقطع عن المعهد والألم يحز في نفسه.

كان عبد الحميد العلوجي مثالا للمثقف العراقي في حرصه على الجديد والعالمي. حرص رغم خلفيته المتواضعة على استيعاب الموسيقى الغربية وفنون الغرب عموما وحضور حفلات الفرق الأوربية الزائرة لبغداد. يقتطع من طعامه وشرابه ليشتري بطاقاتها الغالية. يروي صديقه انور الناصري انه عندما قدمت فرقة غربية حفلة على قاعة الملك فيصل، لم يكن بيديه ما يشتري به بطاقة لها. وكان فرات الجواهري قد حصل على بطاقة شرف للحفلة. فأغراه ابو غسان على لعبة دومنة يكون فيها الرهان على تلك البطاقة. وكان بارعا فيها ففاز بها وتوجه الى الحفلة. نظر اليه والى حذائه الممزق مفتش التذاكر، فقال له: " لو اشتريت لك قندرة بثمن البطاقة، مو احسن لك؟" وفي نهاية الحفلة، تقدمت بعض الفتيات لجمع التبرعات فقدمت له وردة. لم يكن في جيبه غير درهم واحد. اخرجه واعطاه لها، ولكنها ادركت ان هذا كان كل ما في جيبه من فلوس. فأعادته له وقالت، لا. انت تحتاج الدرهم اكثر مما تحتاج وردة.

كان العلوجي من ابناء ذلك الجيل ، الجيل المؤمن بحرية الفكر والعصرنة والتحديث. ومن سخريات القدر ان عينوه في الأخير رقيبا على المطبوعات. وقع بيده كتاب ثوري بقلم عبد الله القصيمي. واصبح عليه كموظف مسؤول ان يمنع دخوله. ففعل، و لكنه بادر بعين الوقت الى تقديم استقالته من هذه الوظيفة الكريهة.
كان كما قلت، واحدا من ابناء ذلك الجيل الذي آمن مخلصا بحرية الفكر والتطور والعلمانية. جيل ايام الخير.

على صلة

XS
SM
MD
LG