روابط للدخول

صحيفة الأهالي ودورها في الحياة السياسية العراقية فترة الثلاثينيات


خالد القشطيني – لندن


ذكرنا في مناسبة سابقة جماعة الأهالي والدور الذي لعبته في دنيا السياسة العراقية منذ اوائل الثلاثينات. التأمت هذه الجماعة واخذت اسمها من الصحيفة التي اصدرتها باسم " الاهالي." حدث في اواخر العشرينات واوائل الثلاثينات ان عاد الى بغداد عدد من الشباب الناضج بعد ختام دراستهم في الخارج. كان من هؤلاء عبد الفتاح ابراهيم ومحمد حديد وحيدر سليمان. انضم عليهم حسين جميل وعبد القادر اسماعيل. كانوا متلهفين لإعادة بناء العراق على اسس عصرية علمانية متنورة وملتزمة بخدمة الشعب. قرروا في عام 1931 اصدار صحيفة تتبنى هذا الأتجاه. ومن الطريف ان نلاحظ تأثرهم في كل ذلك بما كان يجري في مصر. فاقتبسوا اسم الصحيفة التي كان يصدرها حزب الوفد في الأسكندرية باسم " الأهالي". كما اخذوا من مجلة العصور المصرية رسم الشعلة كعلامة مميزة للجريدة. وتبنوا شعارها " منفعة الشعب فوق كل منفعة."

بعد الحصول على موافقة وزارة الداخلية بإصدار الصحيفة، تفانى كتابها في إعداد المادة الكافية لصفحاتها وكل ما يلزم لطباعتها وتوزيعها. ولم يكن ذلك بالأمر السهل لانعدام الموارد واصرار القانون على صدور الصحيفة خلال ستة اشهر من اجازتها. فمروا بفترة هعصيبة وعصبية حتى استطاعوا موافاة الشرط وحددوا اليوم الأول من عام 1932 موعدا لصدورها. ولكن النحس ظل يتابعهم فما ان تم تحرير كل شيء و صف الحروف وتصحيح البروفات، حتى حدث عطل في ماكنة الطباعة فاضطروا الى نقل كل شيء الى مطبعة اخرى بما ادى الى تأخر صدورها يوما آخر.

وهكذا ففي اليوم الثاني من كانون الثاني عام 1932 سمعت جماهير بغداد باعة الجرائد الصغار ينادون بأصواتهم الصغيرة : " الأهالي! الأهالي ! اقرا الأهالي. اول عدد الأهالي." و كان يوما مشهودا لا في تاريخ الصحافة العراقية وحسب بل وفي تاريخ الحركة الوطنية والفكر التقدمي في العراق عموما ايضا. تلاقف الجمهور صفحات الجريدة وقرؤوا بإمعان مقالتها الأفتتاحية التي رسمت الخطوط العريضة لسياسة الجريدة والتي اصبحت في الواقع سياسة تلك الزمرة من المفكرين السياسيين الذين عرفوا بجماعة الأهالي.

ومن العدد واحد التزمت الصحيفة بالتعددية الديمقراطية بالإعلان عن احترامها لكل الأحزاب الأخرى. وبالتوجه لخدمة الشعب والنهوض به. ولكن كاتب الافتتاحية اضاف نغمة جديدة الى رسالة الصحافة والفكر في العراق بتأكيده على نقل الافكار والآراء الغربية وثقافة العصر الى القاري العراقي. ولهذا ركزت الأهالي باستمرار على الترجمة من اللغات الأجنبية ومناقشة الشؤون العالمية. تولى محمد حديد شرح الأزمات الأقتصادية واسبابها وآخر تطوراتها. بينما قام عبد القادر اسماعيل بترجمة الأعمال الأدبية الرئيسية. ولما كان اليهود من اكثر العراقيين معرفة باللغات الأجنبية فقد تبرع عدد منهم بترجمة التقارير والمقالات الأجنبية من اللغتين الفرنسية والأنكليزية.

اصدار صحية جديدة مشقة ومشكلة ، ولكن ما هو اعسر منها الأستمرار باصدارها. وهنا تجلى مدى شعبية صحيفة الأهالي وحماس المثقفين العراقيين على دعم رسالتها. كانت ايام خير، و كانت قلوب الرجال والنساء عامرة بالأيمان وبالأمل وبالحماس لبناء عراق جديد، دولة تقوم على الديمقراطية والتسامح والفكر الحر. انبرى المتعلمون من شتى المدن و الميادين للتبرع بعملهم كمراسلين مجانيين للصحيفة. من كان يحسن لغة اجنبية تبرع بالترجمة. من كان يجيد اللغة العربية تبرع بتصحيح المقالات والبروفات. حتى تصليح ماكنة الطباعة تبرع به ميكانيكي يهودي من سوق حنون. ومن كان بأظافره طحين ، كما يقول المثل، تبرع بماله. تلقت الجريدة مساعدات مالية مستمرة من نصرة الفارسي وحقي الجيبجي والشيخ مصطفى ابراهيم والمحامي محمد زكي وغيرهم.

صدرت الأهالي عندما كان كامل الجادرجي عضوا في حزب الأخاء ومسؤولا عن صحيفة الحزب. ولكن انظاره سرعان ما توجهت الى هذه الصحيفة الجديدة الشابة فظل يتابعها و يتصل بأصحابها حتى اندمج بعملهم. وبإنضمامه، كملت السبحة، كما نقول، وتخمرت العجينة التي اصبحت ملتقى الفكر الديمقراطي في العراق، عراق ايام الخير .

على صلة

XS
SM
MD
LG