روابط للدخول

مواقف الشاعر معروف الرصافي من قادة الثورة العربية في الحجاز والعائلة الهاشمية


خالد قشطيني

برنامج(ايام الخير)،موعده الأن ، وقد خصصه (خالد القشطيني) للحديث عن (مواقف الشاعر معروف الرصافي من قادة الثورة العربية في الحجاز والعائلة الهاشمية)..

عندما اطلق الشريف حسين الثورة العربية من مكة المكرمة ، وقف الشاعر معروف الرصافي ضدها ، و ايد الحكم العثماني. نشر قصائد كثيرة في ذلك كان منها تحد و طعن بالشريف حسين نفسه ، اذ قال:

دع الحسينين في مصر و بغيهما

ففي الحجاز حسين ثالث لهما
هذان قد اخجل الأهرام بغيهما

و بغي ذاك اخزى البيت و الحرما

و يظهر ان كلمات الشاعر الموجعة قد آلمت مشاعر الملك فيصل الأول . فرغم ان معروف الرصافي كتب اليه رسالة يعتذر له فيها عما قاله و يستميح الملك بالعفو عما سلف، الا ان تلك الكلمات ظلت ترن في آذان الملك و تسد ابواب المصالحة. هكذا قدر لهذا الخط المعادي للأسرة الهاشمية ان يستمر طوال حياة الشاعر . فأمام صدود الملك عنه ، كتب الشاعر قصيدة مسرفة في الإقذاع و الشتم. وردت فيها هذه الأبيات التي حفظها معظم العراقيين:

ابلاط ليت شعري ام ملاط
ام مليك بين المخانيث محاط
غضب الله على ساكنه
فتداعى ساقطا ذاك البلاط

سارت هذه الكلمات بين الناس و راح البعض يروونها بكلمات من عندهم اكثر سوقية و إقذاعا و فحشا. و مع ذلك فقد بقي الرصافي حرا لا تمسه يد. بل و بادرت الحكومة الجديدة الى تعيينه نائبا لرئيس لجنة الترجمة و التعريب في وزارة المعارف لمجرد ان تعطيه راتبا يكفيه شر الفقر و الحاجة‘ فلا يقال شاعر في العراق الم به الضيق و العوز. كانت ايام خير و كانت هناك روح تسامح و روح احترام للأديب و العالم و الشاعر.

و لكن الرصافي لم يرتح لأحواله و علاقته بالملك فترك بغداد و رحل الى اسطنبول و بيروت و من هناك عاد للتشنيع بملك العراق في اشعار كثيرة و منها قصيدته النونية التي قال فيها:

ويل لبغداد مما سوف تذكره
عني و عنها في الدواوين
افي المروءة ان يعتز جاهلها
و ان اكون بها في قبضة الهون
و ان يعيش بها الطرطور ذا شمم
و ان اسام بعيشي جدع عرنين
عاهدت نفسي و الأيام شاهدة
الا اقر على جور السلاطين
و لا اصدق كذابا ولا ملكا
ولا اخالط اخوان الشياطين

كلام في اسوء ما يمكن ان يقال في غلظته و قسوته، و مع ذلك فلم تتخذ السلطات العراقية أي اجراء ضده او تلاحقه في غربته، بل و استمرت وزارة المعارف في دفع راتبه له رغم غيابه عن عمله. و اكثر من ذلك، رحبت به السلطات عندما قرر العودة للوطن. و كانت مناسبة العودة قرار الحكومة بتشكيل المجلس التأسيسي لوضع الدستور العراقي ثم جمع مجلس النواب. و بعد كل الشتائم التي كالها الشاعر ضد الملك فيصل و وزرائه و حكومته، رأى ان من حقه ان يكون عضوا في المجلس المزمع تشكيله. فعاد الى بغداد و فيها جرى تنظيم حفل مهيب لأستقباله ، انشد فيه قصيدة كلها تحد و بأس:

سر في حياتك غير آبه
و لم الزمان ولا تحابه
و اذا حللت بموطن

فاجعل محلك في هضابه
و السيف احسن ما يكو
ن اذا تجرد من قرابه

و رغم حداثة العهد الوطني، فقد جرت الأنتخابات في عموم العراق و رشح فيها الشاعر نفسه ببيان اهتزت له الأوساط العامة في العراق و لكنه لم يفز فيها فاتجه الى الصحافة و اصدر جريدة الأمل. و لكن احواله المالية ظلت مظطربة فخفت السلطات الى اسعافه بإعادته الى الوظيفة فعينته وزارة المعارف مفتشا فيها للغة العربية . ثم رقته فعينته استاذا في دار المعلمين العالية في بغداد . و لكن صوت الشاعر لم ينقطع و ظل يندد بالحكومة وهو اجيرها وهي مصدر رزقه الوحيد. وفي عام 1932 نشر قصيدته الشهيرة بعنوان " الحرية في سياسة المستعمرين" التي ذهبت مذهب الأمثال بين الشعب:
يا قوم لا تتكلموا
ان الكلام محرم
ناموا ولا تستيقضوا
ما فاز الا النوم

ما انتهى من هذه القصيدة الا و تابعها بقصيدة اعنف منها:

انا بالحكومة و السياسة اعرف

أألام في تفنيدها و أعنف
سأقول فيها ما اقول و لم اخف

من ان يقولوا شاعر متطرف
هذي حكومتنا و كل شموخها

كذب و كل صنيعها متكلف
علم و دستور و مجلس امة كل عن المعنى الصحيح محرف

و لم يكتف الشاعر حتى دعى الجمهور الى اعتناق الشيوعية:

للأنكليز مطامع ببلادكم


لا تنتهي الا بأن تتبلشفوا

فما الذي فعلته السلطات العراقية بهذا الشاعر الثائر، الناكر، الشاتم لسيد البلاد و حكومتها؟ ما الذي فعلته به؟ ليس سوى ان كافأته على شتائمه بإدخاله عضوا في مجلس النواب مرة تلو المرة. اليس من الحق ان يحن المرء لتلك الأيام ، ايام الخير، و يعجب بأهلها.

على صلة

XS
SM
MD
LG