روابط للدخول

القيم الحميدة التي يقوم عليها المجتمع البسيط الناشئ في العراق


خالد قشطيني

هناك كلمة صغيرة موجزة في اللهجة الشعبية الدارجة في العراق تحمل على صغرها عوالم واسعة من القيم والأعراف التي تشكل بنية المجتمع. هذه الكلمة هي "النخوة". وتعني المساعدة والعون والدعم والحماية ونحو ذلك من القيم الحميدة التي يقوم عليها المجتمع البسيط الناشئ. تجسم ذلك بصورة جلية في تعامل سكان الفرات المحافظين والمتدينين مع الشيوعيين. فمما نتذكره ان مؤسس الحزب الشيوعي يوسف سلمان الملقب بفهد قد عاش في مدينة الناصرية. ويظهر ان هذه الحقيقة الهامشية اعطت اشعاعا رغم ذلك فانتشرت الشيوعية بين الكثير من شباب تلك المنطقة في تلك الأيام، ايام الخير.

بعد ان اعتقل فهد وسيق الى السجن، تفرق رفاقه في المنطقة. التجأ ثلاثة منهم الى منطقة البطحاء. وكانت منطقة يهيمن عليها الشيخ فالح السعدون، شيخ المنتفك. ابلغوه بأن ثلاثة افندية قد اخذوا يتوارون في الديرة ويعيشون بين سكانها المدشدشين والمعقلين، بما يثير الشبهات. سألهم الشيخ فالح ماذا يعملون؟ هل يعتدون على الحريم أوحاطين عينهم عليهن؟ قالوا لا خير. هالزلم في منتهى الأدب و الخلق. قال هل سرقوا شيئا من احد ؟ هل اعتدوا على احد؟ قالوا: لا ابدا. ما ياخذون شي الا ودفعوا فلوسه. سألهم، واشيسوون هنا؟ قالوا يكتبون ويطبعون اوراق ويوزعون اوراق. قال ، هذا كل فعلهم؟ خلوهم وما تتفاضلون بيهم.

ومرت الأيام والأشهر والرفاق يكتبون ويطبعون مناشير الحزب ويوزعونها في المنطقة حتى لفت ذلك انظار السلطات. فاستدعى المتصرف الشيخ فالح السعدون وسأله في الأمر. قال له عندك ثلاثة شيوعيين يوزعون مناشير. اجابه الشيخ بحكمة العارفين، وشنو اللي حصل منها؟ اريد اسولف لك سالفة ابن عمنا الشيخ مطلق الخيون، عنده زوجات اثنين . كل وحدة منهن جابت له ولد. واحد اسمه خلف والثاني اسمه عبود. كبروا الويلاد. اخذهم للملا. قال له خلي بالك عليهم وعلمهم، وعندك الخيزرانة. اذا خلف قصر بالدرس وسوى عايزة، شغل الخيزرانة علىعبود. واذا عبود قصر، شغل الخيزرانة على خلف.

التفت رئيس عشائر السعدون وقال للمتصرف، هالويلاد الثلاثة اللي عندنا، مثل ولدنا. عايشين ويانا. اذا واحد منهم قصر وسوى الناقصة، نشغل عليهم الخيزرانة: ضحك المتصرف وانتهى الأمر. وبقي الرفاق الثلاثة ينشطون ويعملون هناك حتى وقعت ثورة عبد الكريم قاسم. لم يحصل منهم ما يستوجب الخيزرانة . ايام خير و كانت.

الى الشمال من ذلك بقليل، وقعت مدينة السماوة. وكانت نقطة المواصلات مع سجن نقرة السلمان حيث كانت الحكومة قد زجت بقادة الحزب الشيوعي: زكي خيري وحميد عثمان وعزيز الحاج وسواهم. اعتاد ذووهم على زيارتهم مرة في الشهر، يطمئنون عليهم ويزودونهم بالأكل والثياب و الكتب والمجلات ونحو ذلك. كانوا يركبون قطار الليل من غربي بغداد ويصلون مدينة السماوة في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. وكانت السيارات لا تنطلق ليلا خوفا من الضياع في البادية. اعتادت على السفر عند الصباح . يعني ذلك انه كان على عوائل السجناء ان يمكثوا في السماوة حتى الصبح. لم يكن في هذه المدينة الصغيرة أي فندق او خان يأوي اليه المسافر لقضاء الليلة حتى الصباح. فتحيروا في امرهم. تمددوا على الأرض وناموا بجوار حائط المحطة.

سمع بذلك اهل المدينة. عضوا على اصابعهم و قالوا الله يلعن الشيطان. ناس مسلمين ، رجال و نساء و اطفال، ينامون عالقاع بولايتنا؟! استغفر الله! يا عيب الشوم! خفوا اليهم بسياراتهم و عرباتهم و خيولهم و حميرهم. و تقاسموهم فيما بينهم. الحاج علي حيدر اخذ الرجال في بيته. الحاج حسن الخليلي اخذ النساء ليضمهن الى نسائه في بيته. سيد نورالياسري اخذ اسرة عزيزالحاج الى داره. من كان عنده اطفال اخذ اولاد الشيوعيين الى بيته. عرفوا انهم في طريقهم الى سجن نقرة السلمان يزورون قادة الحزب الشيوعي العازمين على الثورة وقلب كل شيء في العراق. ولكنها كانت ايام خير. وكان الناس، الراعي والرعية ، يحملون في قلوبهم نزعة الرحمة. نزعة النخوة. النخوة نحو عابر السبيل والمقطوع والمحتاج. تمد يدك اليه، تنشله من كبوته، تغيثه وتعينه قبل ان تسأله ما خطبه، وما جاء به الى هنا؟ هذه هي اسس النخوة العراقية. لا تسأله أين بطاقة هويته؟ ولا ما هو مذهبه، سني أم شيعي، مسلم أم نصراني. لا تفتش جيوبه وتفتح شنطته. انه في حاجة لمعونتك وكفى.

وتحولت المناسبة الى عرف من اعراف مدينة السماوة على ضفاف الفرات. كل من جاء اليها في طريقه الى سجن نقرة السلمان ينزل ضيفا على احد بيوتها. يفرشون له السرير و يقدمون له الزاد و الشراب و يسلونه عن وحشته ثم يودعونه عند الصباح بالدعاء والوصول بالسلامة. نشأت بفضل ذلك علاقات الفة وصداقة بين هذه العوائل الفراتية الكريمة، آل الياسري وآل الخليلي وسواهم، وبين عوائل ؤلئك الرفاق الذين سعوا لخير العراق، أخطأوا أو أصابوا، واصابوا أو اخطأوا، ولكنهم كانوا عصبة من الشباب سعوا على طريقتهم وحسب فهمهم لما ينفع بلدهم ويحرر وطنهم. وكذا عرفهم اهل السماوة والرميثة والبطحاء. التقطوا منشوراتهم . قرأوا منها سطرين او ثلاثة، ثم رموها في الزبالة. ودعوا لهم بالخير والصلاح. اولاد حلال. شباب عراقي يريد الخير في ايام خير لكل العراقيين.

على صلة

XS
SM
MD
LG