روابط للدخول

صعود اليسار في أميركا اللاتينية


فارس عمر

شهدت بلدان اميركا اللاتينية في الفترة الماضية انعطافا سياسيا نحو اليسار. وقد تجلى هذا الاتجاه في انتخاب عامل نقابي رئيسا للبرازيل وانتخاب امرأة اشتراكية رئيسة في شيلي. وبالامس جرت مراسم تنصيب رئيس بوليفيا الجديد الذي كان في الأصل راعيا ثم عاملا زراعيا علاوة على أنه اصبح اول رئيس من السكان الهنود الاصليين يتولى الحكم في افقر بلدان القارة. حول هذا الموضوع اعدت اذاعة العراق الحر التقرير التالي (بالاستناد الى الوكالات وقسم الاخبار في اذاعة اوروبا الحرة/اذاعة الحرية).
** ** **

شهدت بوليفيا مهرجانات احتفالية زاهية بمناسبة تنصيب الاشتراكي ايفو موراليس يوم الأحد ليكون بذلك أول رئيس من السكان الهنود الاصليين يتولى الحكم في بوليفيا. وإذ تذكر موراليس أيام عمله راعيا لقطعان اللاما ورئيسا لنقابة مزارعي الكوكا ، رفع قبضته في تحية ثورية قبل ان يؤدي القسم بحماية الدستور. ويأتي تنصيب موراليس بعد اسبوع على فوز الاشتراكية ميشيل باشليه في الانتخابات الرئاسية في شيلي المجاورة.
موراليس الذي سمى نفسه "اسوأ كابوس يؤرق اميركا" ، قام قبل تنصيبه بجولة عالمية كانت كوبا محطته الاولى فيها. وفي هافانا دعا موراليس الزعيم الكوبي فيدل كاسترو لحضور مراسم التنصيب. وقال مازحا انه لن يؤدي اليمين الدستورية إذا لم يحضر الثوري الكوبي القديم مراسم التنصيب.
وموراليس البالغ من العمر ستة واربعون عاما هو اول بوليفي من سكان البلاد الهنود الأصليين يتولى الرئاسة في هذا البلد بعد قرون من هيمنة المستوطنين ذوي الاصول الاوروبية. وبهذا المناسبة اعلن موراليس:
"نحن هنا لنقول كفى مقاومة. فاننا ننتقل من خمسمئة عام في المقاومة الى خمسمئة عام في السلطة".
وتعهد الرئيس الجديد الذي ولد في مدينة مناجم أهلُها من الكادحين ، بأن يكونَ صوتَ من لا صوت له في بوليفيا. ومن الوعود التي قدمها في هذا السياق الغاء سياسات السوق الحرة التي قال ان فقراء بوليفيا وسكانها الأصليين لم يجنوا فائدة منها. كما اشار الى نيته في زيادة انتاج نبات الكوكا بوصفه عنصرا متأصلا في الثقافة المحلية. ويمكن استخدام اوراق الكوكا لانتاج الكوكائين المخدِّر ولكن لنبات الكوكا استعمالات اخرى عند البوليفيين. فأوراقه تقوم بدور مهم في الاحتفالات الدينية ولها خصائص طبية لما فيها من بروتينات وفيتامينات تساعد الجسم على التحمل في المناطق المرتفعة ، ومنها بوليفيا.
هذه الاهداف التي اعتبرها موراليس ذات اولوية وضعته على طريق الصدام مع الولايات المتحدة التي تتمثل سياستها في اميركا الجنوبية ببيع مؤسسات الدولة للقطاع الخاص وتحرير التجارة وتمويل برامج القضاء على زراعة نبات الكوكا.
يجسد موراليس ومعه الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز توجه شعبويا أخذ يجتاح اميركا الجنوبية التي تشهد صعود اليسار في بلدانها ومنها البرازيل ، أكبر دول القارة.
ويقول مراقبون ان هذه الاتجاه يعكس خيبة الأمل بالثورات الديمقراطية التي عمَّت القارة في نهاية الحرب الباردة. كرك باومان خبير بشؤون اميركا اللاتينية في معهد جورجيا الاميركي للتكنولوجيا. ويقول باومان:
"لو نظرتَ الى اميركا اللاتنينة لوجدتَ مشكلةً اساسية هي الآمال غير الواقعية التي اقترنت بالعملية الديمقراطية منذ انطلاقها في الثمانينات. وهناك في الوقت نفسه تحرير الاقتصاد. ففي عموم المنطقة كان من المتوقع ان يُسفر تضافر الحكومات المنتَخَبة ديمقراطيا والاقتصادات المحرَّرة ، عن زيادات ضخمة في النمو الاقتصادي ومستوى المعيشة".
هذا ما لم يتحقق على ارض الواقع. فقد أثرت فئة باستغلال النشاط الاقتصادي الحر والعلاقات مع المسؤولين من خلال رأسمالية المحسوبية والواسطة. ولم يصل شيء يذكر من ثمار هذه التطورات الى فقراء المدن والارياف الذين يشكلون غالبية السكان في معظم البلدان. وتسبب اتساع الهوة الناجمة عن تزايد الأثرياء ثراء وتزايد الفقراء فقرا في تصاعد التوترات الاجتماعية. والدرس الذي ينبغي استخلاصه من هذه الظاهرة بحسب الخبير باومان هو ان الديمقراطية لا تقترن تلقائيا بالازدهار.
ويقول باومان:
"ان فضائل الديمقراطية كثيرة ولكن ليس هناك ، بكل بساطة ، دليل قوي على ان الديمقراطية ستؤدي الى ارتفاع مستوى المعيشة بين الفئات الفقيرة من السكان. لذا كان ينبغي ترويج الديمقراطية من أجل الديمقراطية وبعض الفرص التي تتيحها لاختيار القادة وليس بوصفها ، مع الاقتصاد الحر ، علاجا سحريا سيرفع بوليفيا الى مستوى الولايات المتحدة في ظرف جيل".
ما فعلته الديمقراطية هو انها اعطت المسحوقين صوتا جديدا يرفعونه للتعبير عن غضبهم ، بحسب الخبيرة جوليا سويغ من مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن.
وتقول سويغ:
"تقف قوى العولمة الاقتصادية في مواجهة قوى الديمقراطية وتصطدم معها. وان قطاعات واسعة صار لها صوت مسموع حديثا ، بعدما كانت مستبعَدة سابقا ، تشعر انها لم تجنِ مكاسب من الاصلاحات الاقتصادية التي استوردتها حكوماتها في السنوات الخمس عشرة الماضية ، وهي تقول كلمتَها من خلال صندوق الاقتراع وتصوِّت لصالح تحويل بلدانها تحويلا جذريا".
ولأن واشنطن تُعد في مقدمة المدافعين عن هذه الاصلاحات لبناء اقتصاد السوق فقد تصاعدت حدة العداء لاميركا.
وترى سويغ ان هناك اعتقادا واسع الانتشار بأن السياسة الخارجية الاميركية لا تمت بصلة الى الهموم اليومية لغالبية الناس بل انها تضر بمصالح كثيرين ، مثل زارعي نبات الكوكا في بوليفيا.
يقول العديد من الخبراء ان في تجربة اميركا اللاتينية دروسا يُمكن تطبيقُها في مناطق اخرى من العالم حيث تسعى الولايات المتحدة الى تحسين صورتها وتعزيز تحالفاتها الحالية وكسب اصدقاء جُدد.

على صلة

XS
SM
MD
LG