روابط للدخول

الحروب وحكم طالبان واثارها السلبية على الموسيقي والتراث الفني في افغانستان


حسين سعيد

سيداتي وسادتي عقود من الحرب في افغانستان والحظر الذي فرضته حركة طالبان طوال السنوات الخمس من حكمها، تركت اثارها السلبية على مختلف نواحي الحياة في افغانستان وبخاصة الموسيقى التقليدية. ومنذ سقوط حكم طالبان والموسيقيون يحاولون احياء تراث بلادهم الموسيقي، رغم ما يواجهون من تحديات اقتصادية وفنية، وتهديدات من قبل عناصر من مقاتلي حركة طالبان. مراسل اذاعة اوروبا الحرة رون سينوفيتس يستعرض في هذا التقرير المحاولات المستمرة منذ اربع سنوات أي منذ سقوط حكم حركة طالبان لاحياء التراث الموسيقي الافغاني.

(مقطع موسيقى)
اوائل العام الفين واثنين تجمع المئات من سكان اقليم جاك في محافظة وارداك الافغانية لحضور اول عرض يقام لرقصة /آتان ملي/ الشعبية بعد سقوط حكم طالبان، أي بعد خمس سنوات من الحظر الذي فرضته طالبان على الموسيقى والغناء والرقص الشعبي، لكن منظمي الحفل فوجئوا بعدم وجود أي شخص سوى عجوز وحيد في المنطقة، الذي بامكانه العزف على طبلة داهول التقليدية الافغانية، التي تقرع من طرفين. فاضطر والحالة هذه ثلاثة من عناصر المليشيا في المنطقة الى اطلاق النار من رشاشاتهم ليكون ازيز الرصاص بمثابة صوت السورناي وهي الالة الثانية التي تصاحب عادة الطبلة لدى اداء رقصة آتاني ملي:
(مقطع موسيقي)
وبعد سنتين من هذا التاريخ وبعد ان عاد الكثيرون من المهاجرين الافغان الى ديارهم، قادمين من باكستان وايران، اصبح بالامكان ان تنتشر عروض رقصة أتاني ملي في افغانستان كسابق عهدها بمصاحبة الطبلة والسورناي:
(مقطع موسيقي)
يلاحظ مراسل اذاعة اوروبا الحرة رون سينوفيتس، انه رغم اطاحة حكم طالبان إلا ان الحياة ما زالت صعبة بالنسبة للفنانين ومنهم الموسيقيين والمغنين. فالمغني التركماني القومية قوراب نزار اغتيل مع ستة من اعضاء فرقته الشهر الماضي، بعد المشاركة في حفل زواج في محافظة جوزجان شمال افغانستان. وصرح مصدر في الشرطة المحلية ان القتلة من عناصر طالبان. كما ان اصابع الاتهام توجه الى عناصر من طالبان بانهم وراء الهجمات التي استهدفت عددا من الموسيقيين والفنانين في مناطق جنوب افغانستان وشرقها.
وخلاصة القول ان الموسيقى الافغانية التقليدية بحاجة الى من يبث فيها الروح بعد عقود من الحرب والاضطهاد.
(مقطع موسيقي)
الموسيقى الافغانية تقليد شفاهي. وهناك ان صح التعبير مصاهرة بين الالحان الافغانية القديمة والشعر الشعبي الافغاني والموسيقى التقليدية لمنطقة شمال الهند، ويرجع ذلك الى عهد الملك الافغاني اميرشير على خان الذي استقدم عددا من الموسيقيين الهنود في العام 1860 ليعملوا في بلاطه في كابول، لذلك تبدو الموسيقى الهندية والافغانية وكانهما من عائلة واحدة مع احتفاظ كل منهما بفرادتها.
لقد حاولت طالبان ان تقتلع التراث الموسيقى الافغاني من جذوره، كما حاولت الحروب والمواجهات الدامية القضاء على ملايين الافغان خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وقد ادت الاوضاع الشاذة الى نزوح الملايين الى الخارج ليلقوا المأوى في باكستان وايران، اما اولئك الموسيقيين الذين بقوا في افغانستان ولم يغادروها فقد واجهوا شتى صنوف القمع والاضطهاد، على يد من يسمون بالمجاهدين، ثم جاءت طالبان لتمنع منعا باتا العروض المسرحية والتمثيلية والاستماع الى الموسيقى.
واحد هؤلاء الذين لم يغادروا افغانستان هو عتيق الله سنجين احد اساتذة الموسيقى التقليدية الافغانية، يقارب الستين من عمره حاليا، وهو عازف على آلة الرباب منذ الثانية عشرة من عمره:
(مقطع موسيقي)
لقد تتلمذ سنجين منذ نعومة اظفاره على احد اشهر العازفين على آلة الرباب في القرن العشرين هو الاستاذ محمد عمر المتوفى في العام 1980 قبل ان يشهد ما حل بالموسيقي الافغانية من مأساة، وسنجين حاليا هو واحد من مجموعة من الفنانين على عدد اصابع اليد الواحدة الذين حرصوا على الحفاظ على تراثهم طوال السنوات الصعبة من حياة الفن والفنانين الافغان: يقول سنجين عن تلك السنوات
((ان معظم الموسيقيين والمغنين الافغان هاجروا الى باكستان وايران، ولم يبق منهم هنا سوى عدد قليل، ولم يفكر احد منا بالعزف او الغناء لأن طالبان منعت حتى الانغام التي اعتاد الناس ترديدها في المناسبات الدينية)).
لقد كان سنجين شاهدا على المعروف الذي كانت تأمر به طالبان والمنكر الذي كانت تنهي عنه. ويقول ان شرطة طالبان كانت تعاقب الموسيقيين الذين يتجرؤون على نقل معارفهم الى الاخرين بحبسهم في صناديق شحن البضائع المعدنية كما لم تكن تتردد في تصفيتهم جسديا. ويقارن سنجين الموسيقى بالنار الملتهبة:
((الموسيقى كالنار. فاذا ما استمر احد على النفخ فان لهيبها يبقى مستعرا. وما ان يتوقف الهواء عنها فانها تخمد وتهمد. خلال السنوات الخمس من حكم طالبان بقيت ربابتي معلقة على حائط المنزل لا اتجرأ على لمس اوتارها حينما اشاء)).
وهناك موسيقى افغاني آخر من الساعين الى احياء التراث الموسيقي الافغاني هو عازف الطنبور محمد رسول الذي كان قبل استيلاء طالبان على الحكم مهندس اخراج في اذاعة كابل، التي حولتها حركة طالبان الى اذاعة الشريعة بعد ان دمرت ما كان فيها من اجهزة الموسيقية. يقول رسول انه ظل يعمل في اذاعة طالبان ولم يكشف لاحد معرفته وقدراته على العزف على آلة الطنبور:
((واصلت العمل في اذاعة الشريعة. وخلال تلك السنوات سجلت العديد من الاناشيد الدينية دون ان يصاحبها أي عزف. وبذلك لم اهاجر. وبقيت في افغانستان. ولم اخف احدا سوى الله. وبقيت اخدم وطني وابناء جلدتي.))
وبقي رسول مواصلا عمله في الاذاعة حتى سقوط طالبان. واليوم يواصل عمله في الاذاعة الوطنية الافغانية، ويشتهر بمعزوفته ((لنتوجه الى مزار ملا ممد جان)):
(مقطع موسيقي)
وبينما يؤكد سنجين ورسول وغيرهما من الموسيقيين تحسن اوضاعهم بما لايقبل المقارنة مع ما كان إلا انهم يشكون من شحة المغنين، ومن عزوف الجيل الجديد عن الموسيقى الافغانية التقليدية، والاهتمام بالموسيقى والاغاني الغربية.

على صلة

XS
SM
MD
LG