روابط للدخول

قصائد الهجاء والمديح للشاعر الملا عبود الكرخي


خالد القشطيني حلقة جديدة من البرنامج الأسبوعي، اليوم عن الشاعر الملا عبود الكرخي وقصائد الهجاء والمديح التي كان يتغنى بها في "أيام الخير".

الملا عبود الكرخي من الشعراء العراقيين الشعبيين الذين لم يسبقه مثله سابق و لا لحق به لاحق. كان ممن يطلق عليهم اسم فلته في روعة هجائه و سخريته. ان كثيرا من الأمثال العراقية الشعبية ترجع في الواقع الى شيء من قصائده و اشعاره. كانت تتردد على السنة الناس كما تتردد اغاني سليمة مراد و زكية جورج و عفيفة اسكندرفي تلك الأيام من ايام الخير. كلمات مثل ساعة و اكسر المجرشة و مثل هم هاي دنيا و تنقضي و احساب اكو تاليها، و مثل لا تلقلق يحبسوك و يعلنون امك و ابوك. . هذه حكميات شعبية ترجع في الواقع الى ما كتبه عبود الكرخي و نجدها الآن في دواوينه.


اعتاد الكرخي على نشر قصائده في جريدته " الكرخ". و رغم كل شعبيتها فأن صحيفته هذه لم تكن لتغني او تسمن من جوع . فاعتمد في اعالة نفسه و اعالة عائلته على اجاويد الكرام من عشاق شعره ، او كما في اكثر الأحيان من يخافون لسانه و هجاءه. كان من هواة شعره حييم الصراف، تاجر يهودي انحدر من مدينة الناصرية و استقر في بغداد. اشتغل بالصرافة لحين من الزمن ثم فتح متجرا صغيرا له في الشورجة . دأب عبود الكرخي على زيارته في دكانه ، يتلاطف معه ، يتلو له شيئا من شعره، يروي له آخر ما سمعه من النكات. يقضي معه ساعة او ساعتين ثم يكافؤه حييم الصراف على زيارته و تعبه فيأمر الحمال في باب الدكان ، ان يحمل له ما تيسر، كيلوين تلاثة سكر ، نص كيلو شاي ، نص كيلو قهوة ، كم صابونة ابو الهيل . يملأ له الزمبيل و يأمر الحماال بأن يوصله مع الأستاذ الملا للعربانة الربل براس السوق.

مضى هذا التقليد لعدة سنوات ، و لكن يظهر ان الملمات قد المت بابو حسقيل ، حييم صراف، و اصبح الدخل شحيحا عليه، لا يسمح بالعطايا و الكرم. و هكذا فعندما زاره الكرخي في آخر الشهر، جلس الشاعر لساعات ، ساعة بعد ساعة حتى كاد يستنفذ كل ما عنده من شعر يرويه للتاجر اليهودي. و لم يحضر الزنبيل ولا الحمال. و اضطر الملا عبود الى مغادرة الدكان خالي الوفاض، لا يلوي على شيء. و كان قد نظم معيشته الشهرية على ما يجود به حييم صراف.


جلس في المقهى و راح يروي للناس ان قصيدته الجديدة ستكون في هجاء هذا الكلب حييم الصراف. بالطبع كان يأمل ان ينقلوا الخبر للتاجر فيرعوي و يعود الى سابق عهده و يبعث بالسكر و الشاي و الصابون للشاعر. و بالفعل نقلوا الخبر اليه فأجاب قائلا، " بقا خلي يقول ما يقول اللي يعجبو. يعني اشنو بقا ؟ آني مسؤول عن عيشتو؟" لم ينجح مخطط الكرخي . فانبرى بالفعل و نظم قصيدة هجائية فضيعة استهلها بقوله :


من الناصرية صراف هم سختجي و هم بلآّف


و لكنه تريث في نشرها. بدلا من ذلك نشر خبرا عنها. انتظروا في السبت القادم. القصيدة العصماء : "من الناصرية صراف". اكتفى الشاعر منها بهذه الكلمات الثلاث و ترك التاجر في تصوراته و توقعاته. فما ان قرأ ذلك حتى ثاب لرشده و قرر تفادي الشر و الهجاء. نادى على الحمال : " تعال يا ولد ! املي الزمبيل جاي و شكر و قهوة و كل شي كالعادة للجلبي عبود. و اركض ما تتأخر علينو."


جلس التاجر على احر من الجمر ينتظر صدور العدد القادم . فاذا بالقصيدة العصماء تظهر، و لكن ليس بكلمات:


من الناصرية صراف هم سختجي و هم بلاف

و انما بهذه الصيغة المعدلة :


من الناصرية صراف خوش آدمي و عنده انصاف

و تحولت القصيدة من الهجاء اللاذع الى مديح بديع ظل حييم ابو حسقيل يتغنى به طيلة حياته . و كلها بكيلوين شكر و نص كيلو شاي.

و عاد الملا عبود الى سابق عهده يزور الدكان في نهاية كل شهر . يروي لحييم الصراف ما طاب من شعره و ما سمعه من طرائف البلد و يعود الى بيته محملا بمونة ثلاثين يوما من أيام الخير.

على صلة

XS
SM
MD
LG