روابط للدخول

عرض لتقريرين، الأول بعنوان "سياسة الأستثناء في العراق"، و الثاني بعنوان "انها ليست الحرب"


اياد الكيلاني

سيداتي وسادتي ، صحيفتان أميركيتان تناولتا الشأن العراقي اليوم بالتعليق والتحليل ، فلقد نشرت الNew York Times افتتاحية بعنوان (سياسة الاستثناء في العراق) ، تشير فيها إلى أن المؤتمر الوطني العراقي الذي انعقد الأسبوع الماضي طغت على أهميته أحداث النجف. غير أن الصحيفة تؤكد بأن المناورات السياسية في بغداد لها نفس الأهمية في تحديد مستقبل العراق الموحد ، ولكن نتائج تلك المناورات لم تبعث على التفاؤل.
فبالرغم من نجاح المؤتمر في جمع عدد كبير ومتنوع من العراقيين بشكل لم يسبق له مثيل تحت سقف واحد ، إلا أن المؤتمر أخفق بشكل عام في تحقيق الهدف الموكل إليه والمتمثل في التخطيط للانتقال إلى حكم ديمقراطي عملي. وكان من المتوقع أن يتمخض عن قاعدة حكم أوسع وعن تنازلات دستورية متبادلة بشكل أفضل من حكومة أياد علاوي الضيقة الواقعة تحت هيمنة المغتربين السابقين. غير أن الصحيفة تعتبر أن لقاء المشاركين في المؤتمر وقع منذ بدايته وحتى اختتامه تحت هيمنة عدد محدود من الشخصيات المألوفة ، تم اختيارهم من ذات المصادر الضيقة التي كانت غذّت مجلس الحكم العراقي المعين من قبل الأميركيين. والنتيجة – بحسب الصحيفة – تتمثل في تبديد حكومة علاوي أفضل فرصة توفرت لديها لجذب عراقيين آخرين إلى العملية السياسية السلمية ، تمهيدا لإجراء الانتخابات العامة العام القادم.
أما الذي حدث في نهاية الأمر هو أن العديد من الذين كان يفترض حضورهم اللقاء امتنعوا عن الحضور ، مع حرمان المستقلين الذين حضروا فعلا من أية سلطة حقيقية في اختيار أعضاء المجلس الوطني.

---------------فاصل------------

وتمضي الصحيفة إلى أن العراق سيشهد – بحسب ما هو مقرر – ثلاثة انتخابات العام القادم ، بدءا في كانون الثاني باختيار مجلس انتقالي ينعم بسلطة وضع الدستور ، وانتهاء بانتخاب حكومة دستورية بحلول نهاية السنة. وتوضح الصحيفة بأن ما من أحد يوهم نفسه بأن هذه العملية ستسفر عن ديمقراطية مثالية ، ولكنها يتحتم عليها أن تخلق عراقا موحدا وحكومة تعتبره غالبية العراقيين حكومة شرعية. كما لا بد من إيجاد حلول للتوترات التاريخية والحالية التي تفرق بين الأكثرية الشيعية والأقلية السنية والكرد.
وتوضح الصحيفة بأن الكرد – الذين أنيطت بهم المسؤولية الرئيسية في تنظيم المؤتمر – كانوا ممثلين بشكل فعال من خلال مشاركة الحزبين الكرديين الرئيسيين ، ولكن حماية المصالح الكردية في العراق الجديد تتطلب إجراء مفاوضات ومساومات مع جميع القوى الرئيسية ضمن الجاليتين الشيعية والسنية العربيتين.

---------------فاصل------------

وتمضي الNew York Times إلى أن السنة – وهي الطائفة التي ظلت مهيمنة على البلاد طوال عهود صدام حسين والملكية العراقية وتحت الاحتلالين العثماني والبريطاني – لا بد من طمأنتهم من أنهم لن يضطهدوا على أيدي الجماعات التي ذاقت اضطهاد القادة السنة السابقين ، ولا بد للعراق الجديد أن يفسح في المجال للسنة الوطنيين – بمن فيهم من عمل مع الحكومة البعثية السابقة – وليس فقط للقلة التي أمضت سنوات عهد صدام في المنفى ، فاستبعاد نسبة كبيرة من هؤلاء سيثير في الأرجح ردود فعل سلبية في معاقل السنة الوطنيين والقوميين في الفلوجة والموصل وغيرهما من المدن العراقية.
وتقر الصحيفة في افتتاحيتها بأن الرغبة في استبعاد المتطرفين – من أمثال أتباع مقتدى الصدر – رغبة طبيعية ، إلا أنها تنبه إلى أن أحداث الأشهر المنصرمة توضح بأن الجماعات التي ترى نفسها محرومة من صوت في الحكومة الجديدة ستبحث عن منافذ لإيصال صوتها عبر وسائل بديلة ومدمرة.

-----------------فاصل------------

مستمعينا الكرام ، كما نشرت صحيفة الWashington Post تعليقا لمحررها Richard Hart Sinnreich بعنوان (إنها ليست الحرب) ، ينبه فيه إلى حيرة الأميركيين إزاء ما تفعله قواتهم في العراق ، إذ يمكن مشاهدة هذه القوات وهي تطهر الفلوجة هذا الأسبوع من المتمردين البعثيين ، لتكف وتمتنع عن ذلك في الأسبوع الذي يليه. ثم – وبعد مضي نحو شهر واحد – تبادر هذه القوات إلى تطهير النجف من المتمردين الشيعة ، لتعود بعد بضعة أيام إلى الكف عن هذه العملية. وكل ذلك – بحسب المقال – يجعلنا ننظر إلى الحرب في العراق بأنها تسير بصورة آلية وذاتية ، أي أنها تولد الكثير من التحرك والنشاط مقابل شحة واضحة في تحقيق تقدم ملموس.
ويعقد المحرر في مقاله مقارنة بين الحرب في العراق والحرب الأهلية الأميركية في القرن التاسع عشر ، حين كان الجنرال Grant – قائد القوات الاتحادية – يتوقع عند اندلاع الحرب وضع نهاية سريعة لها من خلال عدد قليل من المعارك الحاسمة. غير أن الحرب في الجنوب الأميركي تحولت تدريجيا إلى حرب ضد نسيج المجتمع الجنوبي وليس ضد الجيش الجنوبي. أما الجنرال Grant فسرعان ما أدرك هذا التحول وقبله ، ما وصفه أحد كتاب سيرته الذاتية بقوله: لم يكن Grant مرتاحا إزاء العبء الثقيل الذي تفرضه الحرب الحديثة على المدنيين ، ولكنه كان مستعدا لأن يصدر أوامر بفرض هذا العبء دون أي تردد حين بدا له الأمر ضروريا. ويعلق كاتب المقال على ذلك بقوله: من حسن الحظ كان لدى الجنرال Grant رئيس للبلاد – أي الرئيس Abraham Lincoln – لم يشاركه تمسكه بضرورة تحقيق النصر فحسب ، بل كان يقر ويقبل التكلفة الأخلاقية الضرورية المترتبة على تحقيق ذلك النصر.

--------------فاصل--------------

أما العمليات العسكرية في العراق فمستمرة – كما تشير الأحداث الأخيرة في النجف – في التأرجح بين مستويين: يكفي مستوى العنف في أولهما لتوليد المزيد من المقاومة العراقية ، بينما يفتقر الثاني إلى انعدام الرحمة الكفيلة بقمع هذه المقاومة.
ويسعى المحرر إلى تبديد الحجج المستندة إلى أن العمليات في العراق تثير غضب المسلمين في أماكن أخرى ، فهم أصلا غاضبون. ويؤكد بأن الحاجة الحتمية في مجال حماية القوات الأميركية تكمن في إجبار الطرف الآخر على احترام هذه القوات ، بدرجة تجعلهم يقتنعون بأن أميركا جادة تماما بالإضافة إلى كونها صادقة.
ويخلص المحرر إلى أن القادة الأميركيين يظهرون النوايا الحسنة والصدق في العراق ، ولكن الشواهد الحالية تشير إلى افتقارهم إلى الجدية ، ما يجعل القوات الأميركية والشعب العراقي يدفعون الثمن. ربما يكون الالتزام بهذا المبدأ أو ذاك أمرا رائعا، ولكن هذا يجعلنا نبعد تسمية الحرب عما يجري في العراق حاليا.

على صلة

XS
SM
MD
LG