روابط للدخول

الجزء الرابع من تحقيق بمناسبة مرور عام على الحرب في العراق، و المعركة الكبيرة الأولى التي خاضها جنود فرقة المشاة الثالثة في الجيش الأميركي


ميسون أبو الحب

اليكم الجزء الرابع من سلسلة من التقارير التي وضعها قسم الأخبار والتحليلات في إذاعة اوربا الحرة بمناسبة قيام الحرب في العراق. الاجزاء السابقة كنا قد قدمناها لكم على مدى الايام الماضية.

رافق مراسل إذاعة اوربا الحرة رون سينوفيتز القوات الأميركية خلال الاسابيع الاولى من الحرب في العراق. في التقرير التالي ينظر سينوفتز إلى ما قبل عام والى المعركة الكبيرة الاولى التي خاضها جنود فرقة المشاة الثالثة في الجيش الأميركي كما يستعيد حصار مركز التليل للدفاع الجوي قرب مدينة الناصرية.

يقول رون سينوفتز مراسل إذاعة اوربا الحرة: تعلمت خلال مرافقتي القوات الأميركية في حرب اجتياح العراق قبل عام، تعلمت اهم مبادئ الحرب وهو ان أي شئ قد يحدث ايا كان نوع الستراتيجية الموضوعة وايا كان مدى التهيؤ لها. فعادة ما تتغير الخطط ما ان يقع اشتباك مع العدو.

تعلمت هذا الدرس في الليلة الثانية من الحرب. كان جزء من فرقة المشاة الثالثة أي فريق المعارك من اللواء الثالث، كان هذا الفريق قد تقدم في صحراء منبسطة من الجانب الجنوبي الغربي في اتجاه موقع التليل الستراتيجي للدفاع الجوي قرب الناصرية.

العربة التي كنت فيها ابتعدت عن الرتل الرئيسي ووجدت نفسي فجأة بين الجيش العراقي النظامي وخط المعارك الرئيسي. تلك قصة تقليدية في الواقع تقع عادة في فوضى الحرب. بعد يومين فقط اسرت القوات العراقية العسكرية الاميركية جيسيكا لنش بعد ان ابتعدت العربة التي تقلها عن الرتل الرئيسي.

شاهدت السرجنت رورك يقفز من عربة الهامفي ويكتشف ان جنديين متعبين استسلما للنوم عند توقف العربة.

لم تكن العربات الأميركية تستخدم مصابيحها وهي تقترب من القوات العراقية. في الظلام لم يكن سائقو العربات يعرفون ان مقدمة الرتل تقطع الكيلومتر الأخير نحو مركز الدفاع المحصن.

كان سائق عربة الهامفي التي يجلس فيها مراسل إذاعة اوربا الحرة وهو الكابتن دان زوفكي غاضبا. كان من المفترض بكل قائد ان يقدم المعلومات إلى قائد الرتل عندما يحدث شئ للعربات الخلفية. فمن مسؤولية قائد الرتل ان يضمن بقاء جميع العربات مترافقة.

صرخ الكابتن زوفكي قائلا للسرجنت رورك عندما اعلمه أحد الجنود عن طريق الراديو بان جزءا من الرتل قد تخلف عنه:


عندما وجد الضباط انفسهم في ارض العدو التي يسمونها بلد الهنود قام الكابتن زوفكي بما تدرب الجنود على القيام به عندما تتعرض حياتهم إلى الخطر. قام بفعل ارتجالي ووضع في الحال خطة لمواجهة محاصرة القوات العراقية لجنوده. وقال:


" لا أحد يبتعد عن هذه العربة. مفهوم ؟ يمكنكم الخروج منها للتبول. إذا حدث أي شئ تبينوه جيدا، إذا حدث أي شئ واضطررنا إلى مغادرة هذه العربة علينا التجمع والعودة مائة متر إلى الوراء. مفهوم؟ لو سرنا في هذا الطريق وواجهنا القوات العراقية وكان علينا مغادرة هذه العربة، سنتجمع على مسافة مائة متر إلى الوراء. لكن يجب الا نتفرق. نستخدم الراديو خلال سيرنا إلى الوراء فلا أحد يعرف ماذا يوجد هناك. نحن في بلد هنود ".

لم اشعر بتوفز الاعصاب لاحتمال تعرضنا إلى محاصرة من القوات العراقية فقط لان شبكة الراديو في المعركة كانت تبث معلومات عن وجود اربعين دبابة عراقية وحاملة افراد مدرعة وقطع مدفعية في الجوار. بل ما جعلني متوتر الاعصاب اكثر هو اننا كنا على مدى المدفعية الأميركية أيضا. كان يمكن لقوات التحالف ان ترمينا لو حاولنا العودة إلى الخطوط الأميركية اذا ما وقعت معركة مع العدو.

فجأة وجه قائد اللوء الليوتننت كولونيل جون شارلتون اوامره للعربات بالتزام اماكنها. شارلتون قال عبر الراديو " مبدئيا أي شئ يتحرك يجب ان يموت ".

على مدى الدقائق الثلاثين اللاحقة سمعت ضباط المخابرات الأميركيين يناقشون عن طريق الراديو استسلام القوات العراقية. بدا من الواضح من هذه المكالمات ان الضباط الكبار في الجيش العراقي النظامي تسلموا رشاوى من العملاء الأميركيين السريين كي يسلموا مركز التليل للقوات الأميركية دون معركة. وقد اكد البنتاغون في ما بعد دفع مثل هذه الرشاوى.

عبر الراديو قال أحد الضباط العراقيين الكبار ممن استلموا رشاوى إن اوامر صدرت إلى جميع الجنود العراقيين بارتداء ملابس مدنية. القائد العراقي كان ما يزال يعد بالاستسلام. لكنه قال إن من المستحيل تلبية طلب أميركي بتجميع كل المدرعات العراقية في شكل مجموعات تضم اربعة وتكون فوهات مدافعها موجهة إلى الخلف.

وفجأة خرج من القاعدة العراقية رجلان على دراجة نارية. كان احدهما يقود الدراجة والاخر يحمل سلاح آر بي جي. ثم توجها مباشرة نحو دبابة ابرامز اميركية. شاهدت كتلة ضوء قوية على مسافة كيلومتر وسمعت صوت اطلاقة دبابة في اتجاه الشخصين العراقيين. وعندها بدأت المعركة.

بدأت اجهزة الراديو تنادي اطلقوا النار. وعلى مدى اربع ساعات حلقت فوق رأسي اطلاقات مدفعية اميركية وهبطت في ارض مركز التليل.

رحت اراقب مجريات المعركة من خلال منظاري الليلي. عندما تسقط القذائف الأميركية في المكان الخطأ تتصاعد كتلة من الضوء وعندما تصيب هدفها تحدث انفجارات جانبية بسبب انفجار الذخيرة فتنير السماء.

في لحظة ما حاولت عشر عربات عراقية تقريبا الخروج من بوابة المركز غير ان قذيفة اصابت أول عربة فيها مما أعاق سير البقية. وبعدها بدأت عمليات التصفية. في الدقائق القليلة اللاحقة كانت ثمان قذائف أو تسعة يطلقها الاميركيون تؤدي إلى انفجارات جانبية مما يعني اصابتها أهدافها.

بعدها جاء الأمر بالراديو بان الوضع جيد لتقدم العربات الأميركية المتوقفة، فتقدمت العربات. تحت انوار الفجر الصفراء شاهدت حطاما مبعثرا. كان ذلك هو كل ما تبقى من الدراجة النارية التي حاولت مهاجمة الدبابة الأميركية.

تحت انوار الفجر بدت المنطقة وكأنها في فلم عن الحرب العالمية الثانية. كانت عواميد الدخان ما تزال تتصاعد وتنحرف بفعل الريح. بقايا العربات المحطمة في كل مكان وعدة عشرات من الأسرى العراقيين كانوا يقتادون في الاتجاه المعاكس للمنطقة.

فريق المعارك من اللواء الثالث التابع لفرقة المشاة الثالثة حقق هدفه الرئيسي الاول وهو الاستيلاء على مركز التليل للدفاع الجوي.

غير ان المقاومة العراقية في منطقة الناصرية ظلت مستمرة حتى بعد انتقال فريق المهمات إلى منطقة السماوة والنجف وكربلاء وبغداد.

لكن وخلال اربع وعشرين ساعة ومع قيام القوات البرية الأميركية بتعزيز القاعدة ونصب صواريخ باتريوت الدفاعية فيها بدأت الطائرات الحربية الأميركية بنقل الامدادات اليها لدعم تقدم القوات الأميركية.

في ذلك كانت الاوامر تمنع الصحفيين المرافقين للقوات الأميركية من نشر معلومات عن انشاء قواعد امداد في جنوب العراق. تلك المعلومات ظلت سرية حتى لحظة الاستيلاء على مطار صدام الدولي وتغيير اسمه إلى مطار بغداد الدولي بعد اسبوعين تقريبا من ذلك التاريخ.

" لكن شيئا واحدا كان يمكن نقله في الحال وهو ان الجيش الأميركي خاض معركته الكبرى الاولى في الحرب. غير ان آمال البنتاغون في استسلام العدو دون حرب لم تتحقق. رون سينوفتز إذاعة اوربا الحرة اذاعة الحرية ".


سيداتي وسادتي قدمت لكم الجزء الرابع والاخير من سلسلة من التقارير التي وضعها قسم الأخبار والتحليلات في إذاعة اوربا الحرة بمناسبة مرور عام على الحرب في العراق.
هذه تحيات ميسون أبو الحب.

على صلة

XS
SM
MD
LG