روابط للدخول

تقرير بشأن الرشاوى التي كان النظام السابق ينتزعها بشكل مستمر من الشركات الأجنبية التي تتعامل مع العراق


ناظم ياسين

تحت عنوان (نظام صدام حصل على مليارات الدولارات من برنامج المساعدات)، نشرت صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية اليوم الأحد تقريراً لمراسلتها في بغداد سوزان ساكس عن الرشى التي كان النظام السابق ينتزعها بشكل منتظم من الشركات التي تتعامل مع العراق.
وكان نظام صدام يحوّل معظم هذه الأموال غير الشرعية عبر شبكة من الحسابات المصرفية الأجنبية في انتهاكٍ واضح للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليه الأمم المتحدة.
هذا في الوقت الذي كان ملايين العراقيين يعانون أشد المعاناة وهم يحاولون سد حاجات المعيشة في الاعتماد على الحصص التموينية من الغذاء والدواء.
مسؤولون عراقيون سابقون أشرفوا على عملية جمع الرشى صرحوا للصحيفة بأن أموال صدام السرية جاءت من خلال مورّدين وتجار نفط من جميع أنحاء العالم. وغالباً ما كان هؤلاء يحملون الحقائب المملوءة بالأموال إلى المكاتب الوزارية.
وما يعزّز روايات هؤلاء المسؤولين وثائق وسجلات مالية من النظام السابق حصلت عليها صحيفة (نيويورك تايمز) من أعضاء في مجلس الحكم الانتقالي.
وتقول الصحيفة إن بين هذه الوثائق مراسلات سرية بين كبار مساعدي صدام حول تشكيلِ آليةٍ رسمية لانتزاع العمولات المالية من الصفقات التجارية التي كان يعقدها العراق مع شركات أجنبية. ولم يتمكن مراقبو الأمم المتحدة من رصد هذه التجاوزات.

--- فاصل ---

التقرير الذي نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية يمضي إلى القول إنه بموجب برنامج (النفط مقابل الغذاء) الذي بدأته الأمم المتحدة في عام 1997، سُمح للعراق ببيع الكميات النفطية التي يجني منها ما يكفي فقط لشراء الغذاء ومواد الإغاثة الإنسانية الأخرى. وقد صدر أمرُ فرض الرشى على الشركات الأجنبية من مساعدي صدام بعد بدء البرنامج الإنساني الدولي بثلاث سنوات حينما رُفعت القيود المفروضة على كمية المبيعات النفطية وبلغت عائدات العراق عشرة مليارات دولار سنوياً.
ففي كتابٍ مؤرخ في الثالث من آب عام 2000 يحمل عبارة "سري وعاجل" اطّلعت عليه (نيويورك تايمز)، أبلغ طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي وزارات الدولة أن لجنةً قيادية عليا تريد ما وصفها ب"عائدات إضافية" من برنامج (النفط مقابل الغذاء). ولتحقيق ذلك الهدف، أمرَ رمضان تبليغَ كافة المورّدين بتضخيم مبالغ العقود ب"أكبر نسبة مئوية ممكنة" وتحويل الأموال بشكلٍ سري إلى حسابات العراق المصرفية في الأردن والإمارات العربية المتحدة.
وأضاف الكتاب السري والعاجل من نائب الرئيس السابق "الرجاء إشعارنا بالاستلام وتبليغنا بتنفيذ مضمونه بشكل واضح ودقيق، وبإشراف الوزير المعني"، بحسب تعبير طه ياسين رمضان.
الصحيفة الأميركية تضيف أن انتهاك العراق للعقوبات الدولية كان سرّاً مكشوفاً منذ فترة طويلة. وقبل عامين، قدّر (مكتب المحاسبات العامة)، وهو من الأجهزة الحكومية الأميركية، قدّر العائدات التي كان يجنيها النظام العراقي السابق من تهريب النفط بنحو تسعمائة مليون دولار سنوياً.
وكانت الشركات النفطية العالمية تتشكى خلال السنوات الماضية من مطالبات العراق برسومٍ إضافية غير قانونية.
وفي أثناء تلك الفترة، كان صدام ينفق المبالغ الطائلة على بناء القصور الأمر الذي يوفر دليلا آخر على امتلاكه الأموال الهائلة التي كان يجنيها من العمولات والرشى.
لكن حجم الفساد الذي انغمس فيه النظام السابق لم يتضح إلا مع ظهور الوثائق الدامغة في الآونة الأخيرة، إضافة إلى إفادات المسؤولين السابقين الذين قالوا إنهم كانوا يخافون التحدث عن هذه الممارسات في السابق.
ولعل أفضل دليل على حجم ذلك الفساد ما تكشّف خلال المراجعة التي أجرتها الحكومة العراقية المؤقتة بالتعاون مع الأمم المتحدة للعقود المعلّقة من برنامج (النفط مقابل الغذاء) والتي تبلغ قيمتها الإجمالية ثمانية مليارات وسبعمائة مليون دولار. فقد تبين أن سبعين في المائة من المورّدين قاموا بتضخيم الأسعار، ووافقوا على دفع رشى بنسبة عشرة في المائة إما نقدا أو بشكل حوالات مصرفية على حساباتٍ في بنوك أردنية ولبنانية وسورية. ويُستنتَج من ذلك أن النظام السابق جنى نحو مليارين وثلاثمائة دولار من مجموع اثنين وثلاثين مليارا وستمائة مليون دولار هي إجمالي قيمة العقود التي وقعها منذ منتصف عام 2000 حينما بدأ العمل بالنظام السري لانتزاع الرشى من الشركات الأجنبية. كما تبين أن بعض تلك الشركات كانت على استعدادٍ لدفع أكثر من نسبة العشرة في المائة التي طالب بها نظام صدام، بحسب ما نقلت (نيويورك تايمز) عن مسؤولين سابقين في وزارتي التجارة والنفط.

--- فاصل ---

التقرير يكشف أن بين المورّدين المتعاملين مع العراق في تلك الفترة معامل روسية وتجار عرب وصناعيون أوربيون وشركات حكومية من الصين ودولٍ شرق أوسطية. وبشكل عام، كان العراق يرفض الشراء مباشرةً من شركات أميركية كان ينبغي عليها في أي حال الحصول على ترخيص خاص للتعامل التجاري الشرعي مع بغداد.
وفي إحدى الحالات، تبين من مراجعةٍ أجرتها سلطة الائتلاف المؤقتة أن سوريا كانت مستعدة لدفع رشوة إلى النظام السابق بنسبةٍ تقارب خمسة عشر في المائة من عقدٍ لبيع قمح إلى العراق بقيمةِ سبعةٍ وخمسين مليون ونصف المليون دولار.
النظام السابق قام أيضا باستخدام وسائل أخرى لانتزاع أموال غير قانونية من زبائنه النفطيين. وقد حصل على أكثر من مائتين وثمانية وعشرين مليون دولار من الرسوم الإضافية التي فرضها على شركاتٍ كانت تشحن النفط العراقي الخام عن طريق البحر بعد أيلول عام 2000. كما جنى أموالا إضافية يبلغ مجموعها خمسَمائة وأربعين مليون دولار من رسومٍ إضافية غير شرعية فرضها على النفط الذي كان يُشحن برّاً عبر حدود العراق، بحسب ما نقلت صحيفة (نيويورك تايمز) عن وثيقة أعدتها وزارة النفط العراقية في أواخر العام الماضي.
وفي هذا الصدد، قال شمخي فرج، المدير السابق للدائرة المالية في وزارة النفط أثناء النظام السابق والذي يشغل حاليا منصب المدير العام لمنشأة تسويق النفط في تلك الوزارة، قال "إن معظم الأموال دُفعت نقداً"، على حد تعبيره.
وأضاف قائلا: "كنت أرى أشخاصا يجلبون تلك الأموال في الحقائب إلى الوزارة"، بحسب ما نقلت عنه الصحيفة الأميركية.
لكن مراقبين تابعين للأمم المتحدة صرحوا بأنهم لم يكونوا على علمٍ بالأساليب التي استخدمها النظام السابق لانتزاع أموال من عائدات برنامج (النفط مقابل الغذاء). وأضافوا أن كل تركيزهم كان ينصبّ على إدارة برامج المساعدات الإنسانية وضمان وصول الشحنات الغذائية إلى البلاد.
إلا أن مدير مكتب برامج العراق التابع للأمم المتحدة بينون في. سيفان رفض إجراء مقابلة معه للتحدث عن برنامج (النفط مقابل الغذاء). وفي إجاباته على أسئلةٍ وجهتها الصحيفة الأميركية بالبريد الألكتروني، قال مكتبه إنه علم بنظام استقطاع نسبة العشرة في المائة لدفعها كرشى إلى حكومة صدام علم بذلك من سلطات الاحتلال فقط بعد انتهاء العمليات القتالية الرئيسية في العراق، بحسب ما أفادت (نيويورك تايمز) في التقرير الذي نشرته اليوم عن مليارات الدولارات التي حصل عليها نظام صدام من الشركات الأجنبية التي كانت تتعامل مع العراق.

على صلة

XS
SM
MD
LG