روابط للدخول

ما الذي يجب أن تروج له الولايات المتحدة في العراق


أصدر معهد أبحاث السياسة الخارجية دراسة أواخر شهر أيار المنصرم بعنوان (ما الذي يجب أن تروج له الولايات المتحدة في العراق)، أعدها الزميل الأقدم في المعهد وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة Pennsylvania، Walter McDougall، يقول فيها إن أميركا - لو كانت تماثل الإمبراطوريتين الرومانية والبريطانية - لما ترتب على إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش سوى أن تعين حاكماً عاماً في العراق لقمع التذمر والانشقاق بكل ما لديه من وحشية، ثم ينعم على السكان المحليين بالمواطنة الإمبريالية ليتمتعوا بكل ما يحصلون عليه بذلك من أمجاد وامتيازات. ويعرض الباحث خمس خطوات لابد للولايات المتحدة أن تحققها من أجل تحويل العراق إلى بلد يتمتع بالحرية والسيادة، ويتخذ من الديمقراطية نهجاً لنظام حكمه. ونقدم لكم فيما يلي، مستمعينا الكرام، ملخصاً لهذه العناصر الخمسة الواردة في الدراسة، وذلك ضمن حلقة هذا الأسبوع من برنامج ( العراق في دور الفكر والنشر).

غير أن الباحث يشدد قبل أن ينتقل إلى توصياته الخمسة على أن الولايات المتحدة - رغم مظهرها الإمبريالي - لا يمكن أن تكون إمبراطورية من الطراز التقليدي، فهي أقوى بكثير من أي إمبراطورية شهدها التاريخ، إلا أنها في الوقت ذاته مقيدة في ممارسة قوتها بدرجة لا تنطبق على رجال العصابات من أمثال صدام حسين.
صحيح – تقول الدراسة - أن هذه القيود مفروضة ذاتياً لكونها نابعة من المفاهيم الأمريكية المتعلقة بالعدالة وحقوق الإنسان، إلا أنها مفروضة من الخارج أيضاً، وذلك من خلال الرأي العام الدولي وضغوطه.
وينسب الباحث إلى وزير الخارجية الأمريكي Colin Powell تأكيده في مقابلة إذاعية في 22 نيسان الماضي أن الرسالة التي ترسلها الحرب العراقية إلى العالم يجب أن لا تفسر بأن أميركا تستخدم قوتها في أي مكان في العالم ومتى ما شاءت، لمجرد امتلاكها هذه القوة، بل يجب أن تفسر بأننا لدينا القوة العسكرية ولكننا نتمتع أيضاً بالقوة الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وما نفعله هو أننا نستخدم جميع عناصر قوتنا الوطنية ليس من اجل البحث عن دول لنغزوها، بل للبحث عن دول تحتاج مساعدتنا - حسب تعبير الوزير الأمريكي الوارد في الدراسة.

--- فاصل ---

وينتقل الباحث إلى أن إيجاد دولة وطنية عراقية تتماشى في طبيعتها مع المصالح الأمريكية لابد لها وأن تتميز بخمسة عناصر رئيسية وهي:

1)
لا بد للدولة العراقية المنسجمة مع المصالح الأمريكية، ومع متطلبات الاستقرار الإقليمي، ومع حق العراقيين بالسعي إلى تحقيق سعادتهم، لابد لها أن تظهر إلى الوجود ضمن حدود العراق الحالية.
صحيح أنه من الممكن استغلال الوضع الحالي التالي للحرب في إعادة رسم الحدود الاصطناعية في الشرق الأوسط - بما في ذلك استغلال رفض تركيا التعاون الكامل مع التحالف من أجل خلق كردستان مستقلة - غير أن إعادة رسم الحدود المتفق عليها دولياً لن يحقق سوى تأكيد صحة تنديد صدام حسين بما كان يصفه بالتقسيم الجائر والمصطنع للمنطقة.
كما سيؤيد الأمر إلى إسراع العديد من القوى في المنطقة إلى استخدام العنف من أجل إعادة رسم الحدود في الشرق الأوسط بأكمله.

2)
لابد للحكومة المركزية العراقية المثالية أن تمارس سلطة محدودة في مناطق الولايات التي أنشأتها الإمبراطورية العثمانية والتي تمركزت حول كل من الموصل وبغداد والبصرة.
وتعتبر الدراسة أن منح الكرد في الشمال والسنة في الوسط والشيعة في الجنوب نمطاً سخياً من الحكم الذاتي من شأنه أن يعكس الإستراتيجية العثمانية الحكيمة في التغلب على الانشقاقات الداخلية، وذلك من خلال تأسيس مناطق حكم ذاتي تمنح جالياتها العيش الحر وفق أعرافها وقوانينها التقليدية وسلطاتها الدينية.
أما الحكومة المركزية فيجب أن تقتصر مسؤولياتها على الشؤون الدفاعية، والعلاقات الخارجية، والتجارة.
ومن أجل الاطلاع على وجهة نظر عراقية مستقلة حول التوجه اللا مركزي في الحكومة العراقية، اتصلنا بالسفير العراقي السابق (صفاء الفلكي)، فأعرب لنا عن رأيه التالي:

(مقابلة)

--- فاصل ---

3)
كما لا بد للحكومة العراقية المثالية أن تكون مقبولة - إن لم تكن محبوبة - لدى غالبية الشعب العراقي، فهذا هو السبيل إلى تحقيق مشروعية المؤسسات الحكومية وأفرادها.
وهذا لا يعني - بحسب الدراسة - التمسك بمبدأ الانتخابات العامة التي تمنح كل مواطن بالغ حق التصويت، إذ يعتبر الباحث أن الانتخابات ربما ستكون السبيل الأسوأ إلى تحقيق مشروعية النظام العراقي، وذلك نتيجة سهولة التلاعب بهذه الانتخابات ونتائجها.
ويعتبر الكاتب أن الاختبار الحقيقي لمشروعية الحكومة الوطنية والجهاز البيروقراطي والإدارة القضائية والشرطة، لا يتمثل سوى في موافقة الأغلبية الكبيرة من الشعب العراقي على منحها السلطة وعلى الانصياع إلى إجراءاتها.
ويعتبر الباحث أن هذا الوضع سيجعل الدولة الجديدة مستقرة وقادرة على التطور مع مرور الزمن.
وحول مسألة تفضيل سيادة القانون على التوجهات الديمقراطية، يقول (صفاء الفلكي):

(مقابلة)

--- فاصل ---

وتشير الدراسة في توصيتها الرابعة إلى أنه لا بد للعراق المثالي أن يظهر أيضا تقدماً نحو تحقيق سيادة القانون على الصعيدين المحلي والوطني. فسيادة القانون - وليس الديمقراطية - هو المهد الحقيقي للحرية.
ويشير الباحث في هذا الصدد إلى تقارير مفادها بأن العديد من رجال الشرطة العراقيين والقضاة والمحاميين يعرفون معنى المهنية الحقيقية وهم تواقون إلى نيل فرصة ممارسة مهنهم ضمن نظام قضائي مستقر.

4)
وأخيرا، لابد للعراق المقبول لدى الولايات المتحدة والمساهم في استقرار المنطقة وفي تحقيق السعادة لموطنيه، أن يقوده نظام لا يكن العداء لأمريكا ولحلفائها، فأي توجه دون ذلك سيعتبر - استناداً إلى الباحثة - خيانة لذكرى قتلى وجرحى قوات التحالف.

ويتساءل McDougall في ختام دراسته عن سبل تحقيق حسن النية لدى العراقيين، ويجيب مؤكدا بأن الحقد الطبيعي إزاء الاحتلال الأجنبي، والخجل الطبيعي إزاء الهزيمة، وغضب الكرد والشيعة إزاء تخلي الولايات المتحدة عنهم في أعقاب حرب تحرير الكويت، ربما يجعل تكوين نظام صديق في بغداد حلماً مستحيلاً.
لذا فإن المهمة الأصعب التي سيواجهها المسؤولون الأمريكيون تبدو متمثلة في تحقيق التأثير على سياسة العراق الخارجية.
وليس من الضروري تحقيق ذلك خلال السنة القادمة، بل ربما بعد مضي خمس سنوات أو عشرة، حين يكون تحول الاحتلال العسكري للعراق والسيطرة المباشرة على إيراداته النفطية إلى مجرد ذكرى.

على صلة

XS
SM
MD
LG