روابط للدخول

الحرب بالعراق.. المرحلة الأصعب منها


أصدر معهد Hoover الأميركي أخيراً تحليلاً بعنوان (الحرب بالعراق: المرحلة الأصعب منها) لزميلة المعهد و العضو الباحث في مركز التنمية الدولية بجامعة Harvard، Lisa Cook، تقول فيها إن التخطيط العسكري للحرب الأمريكية الثانية في الخليج تميز بسعته وشموله، ولكن التخطيط لإعادة تعمير العراق في فترة ما بعد الحرب لم يخصص له - على ما يبدو - ذلك القدر من التخطيط، باستثناء تقديم المساعدات الإنسانية والسعي إلى استمرار تدفق النفط. وتشدد الباحثة على أن عراق ما بعد الحرب بلد يعاني من احتياجات ملحة، ولابد من تلبية هذه الاحتياجات بسرعة. ونقدم لكم فيما يلي، مستمعينا الكرام، أهم ما عرضته الباحثة من اعتبارات في تحليلها، و ذلك ضمن حلقة هذا الأسبوع من برنامج (العراق في دور الفكر و النشر).

يعتبر التحليل أن التحديات الآنية والفورية التي تواجه الساعين إلى إعادة بناء العراق تتمثل في توزيع المساعدات الإنسانية بأسرع ما يمكن، وفي مباشرة إعادة تعمير وإعادة تأهيل البلاد، وفي المباشرة في عملية المصالحة التي لابد لها من مواجهة تركة صدام حسين وتجاوزها.
ويشدد التحليل على مدى حجم مهمة إعادة بناء العراق في ضوء الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب، والتآكل الكبير في مستوى معيشة الشعب العراقي طوال العقدين الماضيين، تلك الأضرار الناتجة عن سوء إدارة صدام حسين لاقتصاد العراق وعن عقوبات الأمم المتحدة القاسية خلال العقد المنصرم.

--- فاصل ---

وتعتبر Cook إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء العراق أمراً بالغ الأهمية، إذ من المحتمل أن تظهر مشاكل طارئة جديدة إضافة إلى تلك التي ظهرت فعلاً، مثل شحّة المياه النقية، والكهرباء، والعناية الصحية.
كما ستتعرض المواد المتوفرة إلى ضغوط إضافية نتيجة احتمال عودة اللاجئين والنازحين في أعقاب إطاحة النظام السابق وانتهاء الحرب.
وفي ضوء حالة الفوضى الاقتصادية السائدة في العراق، يعتبر التحليل أن الإسراع في توزيع الغذاء والمستلزمات الإنسانية، وفي استعادة سيادة القانون من شأنهما وضع حد لمزيد من التدهور الاقتصادي وللتوترات الاجتماعية الناجمة عنه.
كما يذكر التحليل بأن توزيع الاحتياجات الإنسانية إبان عهد صدام حسين كان مرتبطاً باعتبارات حزبية وعرقية ودينية. أما توزيع هذه الاحتياجات بعد رحيل صدام فلا بد له من أن يتم بصورة عادلة، مع الانتباه إلى أن طبيعة المساعدات الغذائية عليها أن تأخذ في الاعتبار عدم منافستها الإنتاج الزراعي العراقي القائم.

--- فاصل ---

وتشدد الباحثة على أهمية تكليف برامج الأمم المتحدة للتنمية بمهمة تنسيق وتوزيع المساعدات الإنسانية , إذ ستساهم الخبرة الواسعة لدى هذا البرنامج في تنفيذ هذه الجهود بكفاءة عالية وبأقل مقدار ممكن من التبذير.
ويمضي التحليل إلى أن الهدف الفوري في مجال التخطيط الاقتصادي لا بد وأن يتمثل في إعادة الاقتصاد العراقي إلى نمط نموه السابق للحرب، و يشير في هذا الصدد إلى أن مستوى المعيشة العراقي أنخفض ال 10% مما كان عليه في 1979، ما يحتم التزام الواقعية والحقائق التاريخية في تحديد التوقعات.

ويوضح التحليل بأن التخطيط المركزي ونظام المحاباة الذي عمل بموجبهما حزب البعث أسفر عن حدوث تشويه واسع في الاقتصاد، فالعشائر الموالية لصدام وللحزب كانت تنعم بمكافآت مالية وسلع كمالية نادرة، وبتعيينات سياسية مرغوب فيها.
أما العشائر الأقل ولاء لصدام فكانت تُحرم من مثل هذه الأموال والتعيينات.
وكل هذا يحتم - بحسب التحليل - إجراء إصلاحات كبيرة في اتجاه اقتصاد السوق.
ومن أجل الاطلاع على رأي عراقي حول هذا الموضوع، اتصلنا بالخبير الاقتصادي المقيم في فرنسا (رائد فهمي) وسألناه عن مدى صعوبة استعادة الاقتصاد العراق عافيته، فأجابنا قائلا:

(مقابلة رائد فهمي)

--- فاصل ---

ويتابع التحليل بأن العنصر الأهم متمثل في اعتماد العراق على موارده الطبيعية، وأهمها النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي.
وتنبه الباحثة إلى أن النفط - قبل 1980 - كان يمثل 39 % فقط من إنتاج العراق الاقتصادي. أما الآن فيمثل النفط نحو99% من الصادرات العراقية، ونحو 81% من الإنتاج الاقتصادي القومي. ويوضح التحليل بأن الافتقار إلى التنوع يجعل النفط يبدو مورد البلاد الوحيد، ما يجعل أسعار النفط العالمية غير المستقرة تحدد مستوى معيشة العراقيين من سنة إلى أخرى.

كما ينبه التحليل إلى أن هذه الثروة الوطنية موجودة في مناطق عراقية تهيمن عليها الأقليات، ما يثير احتمال نشوب منافسة شديدة - بل وحتى نزاعات - من أجل السيطرة على هذه المناطق.
وهذا - بحسب التحليل - يحتم على صانعي السياسة الاقتصادية الإسراع في تطوير المكونات الأخرى للاقتصاد العراقي.

ويشير التحليل هنا إلى وجود بنية تحتية لا بأس بها في العراق - موضحاً مثلاً بأن 75% من طرق العراق معبدة - وإلى موقع العراق الإستراتيجي الذي من الممكن أن يحوله إلى محور مهم في التجارة بين الشرق الأوسط والغرب.

كما يشير إلى أن اليد العاملة المثقفة ثقافة عالية نسبياً وما يتوفر لديه من مواد أولية، يمكن العراق من مضاعفة نشاط قطاعه الصناعي، علماً بأن الصناعة لا تمثل حالياً سوى 13% من الإنتاج القومي.

أما العنصر الأهم في تأخير انتعاش العراق - بحسب التحليل – فهو حالة الإهمال التي تعاني منها البنية التحتية النفطية. وتنسب الباحثة إلى تقديرات الخبراء توقعها بأن عودة العراق إلى إنتاج 3,5 مليون برميل يومياً سيحتاج أشهر - إن لم تكن سنوات - ومليارات الدولارات من الإنفاق والاستثمار.
وحول إمكانية تقليل اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط وتوجيهه في اتجاه في وسع العراق أن يحقق نجاحا فيها، أعرب لنا رائد فهمي عن الرأي التالي:

(مقابلة رائد فهمي)

--- فاصل ---

ويشدد التحليل على ضرورة الإسراع في تنشيط الاقتصاد المنهار في العراق من خلال توفير التمويل لنشاط القطاع الخاص خصوصاً المشاريع الصغيرة منه، كما يشدد على أهمية إسراع الدول والمؤسسات المالية التعاون والتنسيق مع الحكومة العراقية الجديدة من أجل تشخيص واستعادة الأموال المسوقة والمختلسة المودعة بمصارف أجنبية، و ذلك بالنظر إلى ضخامة حجم هذه الأموال وإلى كونها من ممتلكات الشعب العراقي.

وفي مجال إعادة تأهيل العراق يوصي التحليل بالتركيز على التعليم والثقافة باعتبارهما من الأولويات القصوى، شأنها شأن العلماء الذين اقتصرت الاستفادة من مهاراتهم بنسبة عالية جداً في مجال تطوير الأسلحة والتطبيقات العسكرية، ما أوجد حاجة حيوية لإعادة تدريبهم من أجل الاستفادة من خبراتهم في قطاعي الصناعة والبحث العلمي.
وينبه التحليل إلى أن مؤسسات العراق الضرورية لتطوير المجتمع المدني بشكل سليم - بما فيها تلك المعنية بحل الخلافات القانونية والاقتصادية - قد اختفت أو تراجعت في فعاليتها نتيجة الإهمال الطويل وسوء استخدامها من قبل صدام حسين، ومن بين هذه المؤسسات البنك المركزي والمؤسسات السياسية والهيئات الانتخابية.
وتشدد Lisa Cook على أهمية حل النزاعات في عملية تحقيق السلام والحفاظ عليه في العراق، كما تشدد على ضرورة طمأنة جميع العراقيين بأن سيادة القانون وحق الملكية سيصبحان من أهم عناصر العراق الجديد، ما يترتب عليهم المساهمة الوثيقة في إيجاد الآليات المناسبة لحل الخلافات والنزاعات.

وتخلص الباحثة إلى أن إغاثة العراق وإعادة بنائه وتعميره وتأهيله سيتطلب بذل جهود جبارة، مع الأخذ في الاعتبار بأن شفاء العراق سيكون صعباً ومكلفاً، وبأنه سيستغرق وقتاً ليس بقصير، ما يرتب على العراقيين والمجتمع الدولي التحلي بالصبر، فتصحيح الأخطاء المتراكمة خلال العقود الماضية لا يمكن التعجيل في تحقيقه.

على صلة

XS
SM
MD
LG