روابط للدخول

الدروس الفورية المستقاة من الحرب العراقية


أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الرابع عشر من أيار الجاري دراسة لخبيره الأقدم في الشؤون الاستراتيجية Anthony Cordesman بعنوان (الدروس الفورية المستقاة من الحرب العراقية) يحذر في مطلعها من الإسراع في الحكم على الحرب قبل الإعلان الكامل عن بيانات العمليات العسكرية، تماماً كما كان من الخطأ الحكم على الخطة العسكرية قبل ظهور نتائج عمليات التحالف الناجحة. إلا انه ينبه إلى أهمية بعض هذه الدروس، من أجل إظهار أهمية المبادئ العسكرية الأساسية وما أسفرت عنه من نتائج التطورات في قدرات القوات الأمريكية والبريطانية القتالية. ونقدم لكم في ما يلي مستمعينا الكرام، مراجعة لأهم النقاط التي تناولها الباحث في دراسته وذلك ضمن حلقة هذا الأسبوع من برنامج ( العراق في دور الفكر و النشر ).

يؤكد Cordesman بأن حرب العراق تميزت في التباين الواسع بين الجانبين المتحاربين، فلقد استخدم العراق قواته غير النظامية وأساليب قتال غير تقليدية على نطاق واسع، شملت بين غيرها استخدام المدن كمحميات انطلقت منها قوات شبه عسكرية - مثل ميليشيا (فدائي صدام ) - لتشن غارات خاطفة على قوات التحالف، إضافة إلى استخدامه المهاجمين الانتحاريين .
غير أن التباين الأساسي تمثل في الاختلاف الجوهري بين القوات العراقية و تلك التابعة إلى التحالف في مجالات التكنولوجيا والتدريب والاستعداد , إضافة إلى افتقار العراق إلى الانسجام القتالي بين وحداته العسكرية، و هو الانسجام الذي حققته القوات الأمريكية البريطانية بدرجة لم يسبق لها مثيل في أية حرب سابقة.

--- فاصل ---

ويوضح الباحث بأن قدرات العراق المحدودة نتجت عن افتقاره إلى قوة بحرية تذكر أو إلى قوة جوية كان في مقدورها مواجهة تفوق التحالف في الجو.
كما يشدد Cordesman على أن أولويات القتال العراقية كانت موضوعة لتوفير الأمن للنظام بدلاً من خوض الحرب، فلقد تفوق العديد من عناصر العراق القتالية في مراقبة بعضها البعض وفي قمع الشعب العراقي، بدلاً من التفوق في وجه الخصم الأجنبي .

وتمضي الدراسة إلى أن العراق سعى إلى تكوين جيش شعبي بهدف تسليح مليون رجل، الأمر الذي كان سيتيح لنظام صدام حسين نشر قوات شعبية هائلة للدفاع عن المدن العراقية، وتحويل بغداد إلى حصن منيع، و إلى تحقيق نجاح أكبر في القتال المتباين.
وتدل مخابئ الأسلحة والعتاد العديدة التي تم العثور عليها في كافة أرجاء بغداد وباقي أرجاء العراق، تدل على قناعة النظام بأنه كان في مقدوره استنفار وتسليح مثل هذه القوة.
غير أن الباحث يشدد على أن هذا الجيش الشعبي الجبار لم يظهر إلى الوجود على الإطلاق، وعلى أن القوات شبه النظامية العراقية لم تحقق أبدا القدرة الكافية على مواجهة قوات التحالف، رغم تحقيقها المباغتة التكتيكية في بعض المواجهات في الجنوب، ما فرض على القوات الأمريكية تخصيص نسبة من وحداتها للقتال في المدن ولحماية خطوط تقدمها.
وحول هذا التوجه للقيادة العراقية نحو تأسيس وتجهيز مثل هذا الجيش الشعبي الفعال، اتصلنا بالعقيد الركن علي حسين جاسم – عضو المعهد الملكي البريطاني لدراسات القوات المسلحة – فعبر لنا عن الرأي التالي:

(علي حسين جاسم)

--- فاصل ---

ويتابع Cordesman في دراسته موضحاً بأن العراق - بعد اندلاع الحرب - لم يبق في وسعه سوى المناورة في وجه الهجمات الضخمة التي شنتها قوات التحالف الجوية بأسلحتها بالغة الدقة، استندت إلى قابلية هذه القوات في رصد تحركات الدروع العراقية في أي وقت من الليل أو النهار وفي أغلب الظروف الجوية، ما أدى إلى شل حركة هذه الدروع أو إلى تكبيدها خسائر جسيمة.
و يلخص الباحث هذا الوضع بتأكيده على أن الجيش النظامي لم يتحرك أبداً، وأن وحدات الحرس الجمهوري في الشمال دفعت ثمناً باهظاً لدى تحركها جنوباً من أجل تعزيز الدفاع عن المشارف الجنوبية للعاصمة بغداد.
كما ظهرت مشاكل مماثلة في الجنوب حيث كان العراق - عند بدء الحرب - ينشر بعض وحدات جيشه النظامي مكلفة بالدفاع عن مشارف بغداد على ضفاف نهري دجلة والفرات، إلا أنها كانت ثابتة في مواقعها ومركزة في اهتمامها على الحدود الإيرانية.
كما كانت لدى الحرس الجمهوري بعض الوحدات في الجنوب، إلا أنها ظلت متمسكة بمواقعها السلمية حول بغداد بدلاً من الانتشار والاستعداد للدفاع عن عمق.

--- فاصل ---

وهكذا لم تتحرك قوات الحرس الجمهوري إلا للرد على تقدم قوات التحالف، ما جعلها تقاتل في الغالب على شكل مواجهات متفرقة بدلاً من القتال كجزء من دفاع متجانس عن عمق.
و في الكثير من الحالات - بحسب الدراسة - كانت ألوية الحرس الجمهوري تضم وحدات من الجيش النظامي والوحدات شبه العسكرية، فيما جعل التحرك الدفاعي المنظم أمراً صعباً أو مستحيلاً وأسفر عن إضعاف فعالية ضربات التحالف على قدرات العراق الضعيفة في مجال القيادة و السيطرة.

صحيح _ يقول الباحث _ أن قتالاً عنيفاً دارت راحاه قرب الناصرية، و أن قوات مشاة البحرية الأمريكية كان عليها أن تخوض معارك مع وحدات من الجيش النظامي في طريقها من الناصرية إلى الكوت، غير أن هذه القوات العراقية اضطرت في جميع الأحوال إلى المناورة من أجل الاقتراب من القوات الأمريكية المتقدمة، ما عرضها إلى الهجمات الجوية المدمرة.
ويتفق العقيد الركن علي حسين جاسم مع هذا التحليل، ويضيف:

(علي حسين جاسم)

--- فاصل ---

أما فشل القيادة العراقية في تنظيم دفاع متجانس وفعال فينسبه الباحث إلى عدد من العوامل، وهي:

1- القناعة بأن الجدل في الأمم المتحدة كان سيشل قدرة التحالف على شن العمليات العسكرية.
2- القناعة بأن قرار تركيا في حرمان قوات التحالف البرية والجوية من استخدام القواعد التركية كان سيسفر عن منع أو تأجيل التحرك العسكري، غير أن الشكوك حول نوايا تركيا الحقيقية جعلت العراق يحتفظ بقواته في الشمال، برغم هذه القناعة.
3- الاعتقاد بأن جيشاً شعبياً كان سيتم استنفاره وتجهيزه، في الوقت الذي لم يكن لمثل هذا الجيش أي وجود حقيقي.
4- الافتقار إلى القدرة على توفير الإسناد للقوات العراقية بعيداً عن قواعدها، ما أجبر العراق على التريث في نشر قواته إلى ما بعد بداية الحرب.
5- الافتقار إلى القدرة على ترجمة المعلومات النظرية حول إمكانيات التحالف الحربية المشتركة إلى تقديرات واقعية لقدرات التحالف الفتاكة في مجالات القوة الجوية الضاربة، وقدرات التحالف على المناورة السريعة، وعلى عرقلة تحركات القوات العراقية.
6- الإيمان غير الواقعي بتأثر الولايات المتحدة وبريطانيا في عزمهما على خوض الحرب، نتيجة ما كان يلجأ إليه العراق من تسويف و مخادعة، وما كان ينوي إلحاقه بقوات البلدين من خسائر.
7- المزج بين دولة القائد المنفرد والافتقار إلى القدرة الحقيقية على تقييم نقاط الضعف والقوة في القوات العراقية.
8- سلسلة الإجراءات المتخذة لإخفاء وتدمير أسلحة العراق للدمار الشامل - التي استمرت حتى عشية الحرب - والتي حرمت العراق من أي استخدام فعال لما تبقى من هذه الأسلحة.
أما عن إخفاق القيادة العراقية في تقدير ما كان عليها أن تواجهه قواتها من قوة ضاربة متفوقة، يقول العقيد الركن علي حسين جاسم:

(علي حسين جاسم)

على صلة

XS
SM
MD
LG