روابط للدخول

الملف الثاني: التحديات التي ستواجه الولايات المتحدة في بناء عراق ما بعد صدام


قسم الأخبار والتحليلات في إذاعة أوروبا الحرة أعد تقريراً حول التحديات الصعبة التي ستواجه الولايات المتحدة في بناء عراق ما بعد صدام وإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي. (ولاء صادق) أعدت عرضاً لهذا التقرير.

تخطط واشنطن لاحتلال للعراق بعد شن حرب لاسقاط صدام. ويقول المسؤولون الاميركيون إن الاحتلال ضروري لمساعدة العراق في تطوير نظام ديمقراطي وتحويله الى بلد مستقر لا يهدد جيرانه. الا ان احداث التغييرات في العراق قد يواجه مشاكل كبيرة ويتطلب نفقات عالية. عن هذه التحديات كتب لنا مراسل اذاعة اوربا الحرة اذاعة الحرية شارلز ركناغل التقرير التالي.

بدأ المسؤولون الاميركيون بالتحدث علنا عن خطط اميركية لاحتلال العراق لفترة غير محددة بعد الحرب الهادفة الى اسقاط صدام حسين. إذ قال وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في لقاء مع القوات الاميركية في ايطاليا الاسبوع الماضي إن واشنطن ستضمن خلو العراق بعد الحرب من اي اسلحة للدمار الشامل وستضمن عدمَ تهديده جيرانه. وقال ايضا إن واشنطن ستحاول وضع العراق على طريق الديمقراطية البرلمانية التي تحترم حقوق جميع الاقليات فيه. وقال:
" نشعر بالتزام للتخلص من كل مخلفات النظام وتحويل العراق الى دولة لا تملك اسلحة دمار شامل. وسيكون هذا جزءا من مسؤوليتنا. وان يكون العراق دولة لا تهدد جيرانها ولا تطلق صواريخ سكود او تستخدم الاسلحة الكيمياوية ضد شعبها او جيرانها كما فعلت في الماضي وان يكون بلدا موحدا والا ينقسم الى اجزاء وان يسير في طريق ضمان تمثيل مختلف الفئات الاثنية في البلاد واحترامها ".

وقال رامسفيلد ايضا إن التخطيط يجري حاليا لتحقيق هذه الاهداف وبضمنها ما يدعوه مساعدة العراق في شؤونه المدنية بعد تغيير النظام. واضاف:
" سيتطلب الامر وجود اشخاص راغبين في تقديم المساعدة في الشؤون المدنية والاغاثة الانسانية. والتخطيط لذلك يتم الان ".

هذا ولم يعرض رامسفيلد اي تفاصيل محددة الا ان تصريحاته تعني ان واشنطن تتهيأ لادارة العراق لفترة طويلة بهدف تغيير شكل حكومته.

وكان الاعلام الاميركي قد ذكر ان مستشاري الامن القومي يفكرون في فترة احتلال تستمر 18 عشر شهرا يدير خلالها قائد عسكري اميركي شؤون البلاد بالتعاون مع ادارة مدنية. ومن غير المعروف إن كانت الحكومة المدنية ستعين من قبل الولايات المتحدة او الامم المتحدة أو ستكون حكومة انتقالية مثل حكومة افغانستان.

وقال مسؤولون اميركيون امام لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ الاميركي امس إن الاحتلال قد يستمر سنتين وربما فترة اطول. الا انهم اكدوا ان حالة عدم اليقين تجعل من المستحيل تحديدَ فترة بقاء القوات وكلفها.

وكلف هذه المهمة واثرها على ميزانية الولايات المتحدة هي احد عنصرين رئيسيين سيحددان مدة الوجود الاميركي في العراق. وهو الذي سيحدد حتى متى سيرغب الشعب الاميركي في تمويل ادارة بلد اجنبي.

وكانت اكاديمية الفنون والعلوم في كامبردج في ولاية ماسوشوسيتس قد قدرت هذه الكلف بما بين 99 الف مليون الى مليوني مليون دولار على مدى عقد. وقالت ان الامر سيعتمد على طول الحرب ومدى اضطراب الاسواق النفطية ومعدلات الكساد الاميركي. علما ان حرب الخليج الاولى في عام 1991 كلفت 61 الف مليون دولار، دفع منها الحلفاء سبعة الاف مليون دولار.

هذا ولم تعلق الحكومة الاميركية على تقديرات الكلف هذه وقالت ان الوقت ما يزال مبكرا مع أمل واشنطن في التوصل الى حل سلمي للازمة العراقية. الا ان لورنس لندزي وهو كبير المستشارين الاقتصاديين قدر، في ايلول الماضي، كلف الحرب مع العراق بما بين مائة الف مليون الى مائتي الف مليون دولار.

وقالت واشنطن انها تامل في تمويل نفقات ادارة العراق عن طريق احياء الصناعة النفطية العراقية وزيادة الصادرات. ولكن ليس من الواضح كم ستكون الزيادة التي ستوافق عليها منظمة الاوبك.

هذا وقد جعلت كلف الحرب والاحتلال العالية بعض المعلقين الذين يؤيدون عملا عسكريا، يدعون الرئيس بوش الى تهيئة الشعب الاميركي لالتزام طويل الامد في العراق. ومنهم توماس فريدمان الذي كتب في صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا وهنا اقتبس " يتهيأ البيت الابيض لاعمار العراق كما فعل مع المانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية بينما يتهيأ الشعب الاميركي، في احسن الاحوال، لاحتلال سريع وقذر على مستوى عملية غرينادا " نهاية الاقتباس.

وكانت الولايات المتحدة قد قادت عملية الغضب الملح في جزيرة غرينادا في البحر الكاريبي في تشرين الاول من عام 1983 واسقطت حكومة انقلابية ماركسية ثم ما لبثت ان سحبت قواتها بعد فترة قصيرة.

أما العنصر الاخر الذي قد يحدد مدة الاحتلال الاميركي للعراق فهو صعوبة تحويل العراق من دولة مركزية قوية الى دولة ديمقراطية برلمانية.

وقال فالح عبد الجبار وهو عالم اجتماع عراقي في جامعة لندن إن انشاء نظام تمثيلي في العراق لن يتطلب تشجيعا اميركيا سياسيا فحسب بل اعادة هيكلة عميقة للاقتصاد العراقي، الذي يقوم اليوم على مساعدات ومكرمات الحكومة للموالين لها وذلك عكسا لما يحدث في الديمقراطيات الغربية حيث يدعم الشعب الحكومة بالضرائب مقابل الحق في التمثيل والمساءلة. وقال فالح عبد الجبار:
" الحكومة غنية بالنفط ولديها دخلها المستقل. وهي لا تعتمد على الضرائب. وعدم دفع الضرائب يعني عدم التمثيل كما نعرف. فبدلا من ان يدفع الناس الضرائب الى الحكومة مقابل خدماتها، الحكومة هي التي تدفع للناس مقابل ولائهم لها. وبالتالي فهي علاقة معكوسة مقارنة بالديمقراطيات الغربية ".

ويقول عبد الجبار انه حتى القطاع الخاص في العراق يعتمد بشكل كامل تقريبا على الحكومة في علاقاته وعقوده وتمويله. واضاف:
" في العراق ليس هناك اي فصل بين الاقتصاد والسياسة. هناك قيادة اقتصادية لديها زبائن محدودون. وبالتالي يعتمد القطاع الخاص بشكل كبير على الحكومة في التمويل والعقود وكل شئ. وعندما لا يوجد فصل لا توجد اسس مؤسسية لاي تحرر اقتصادي ".

هذا ويقال ان المسؤولين الاميركيين منقسمون حتى الان حول كلف خلق حياة سياسية واقتصادية في العراق وحول الوقت اللازم لذلك.

ويقول تيد غالن كاربنتر من معهد كاتو في واشنطن إن بعض المسؤولين يفضلون ادارة اميركية طويلة الامد في العراق على انموذج حكومة الجنرال دوغلاس ماك آرثر في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

الا ان كاربنتر يقول إن واشنطن تريد احتلالا قصيرا كي لا تتحول الادارة الاميركية في العراق الى هدف للعداء. وقال:
" اعتقد ان هناك صراعا داخل الادارة بين فئة تريد ادارة على طراز ادارة ماك آرثر في العراق حيث تتكفل الولايات المتحدة ويتكفل حلفاؤها بالامر لاشهر طويلة ان لم يكن لسنتين او ثلاثة، وفئةٍ تفضل تسليم الحكم الى العراقيين في اقرب وقت ممكن وتبدأ بانهاء الوجود العسكري الاميركي كي لا يتحول الى هدف لاستياء العالم الاسلامي ".

وربما يعكس هذا الانقسام إدراك واشنطن بان شن حرب على بغداد وتحقيق النصر فيها سيكونان اسهل العناصر وان ما سيأتي بعد ذلك سيمثل تحديا اكبر، اي العمل على اعمار البلاد على مدى اشهر طويلة وعلى مستوى اعمار المانيا واليابان قبل ستين عاما.

على صلة

XS
SM
MD
LG