روابط للدخول

الملف الثاني: استعداد العراقيين لمواجهة حرب محتملة


تحقيق من بغداد نشر اليوم في إحدى الصحف الأميركية حول استعداد العراقيين لمواجهة حرب محتملة. (ولاء صادق) نتابعها فيما يلي في عرض لهذا التحقيق.

في عدد صحيفة نيويورك تايمز الصادر اليوم، كتب جون بيرنز تقريرا من بغداد تعرض فيه الى حالة الخوف التي تسود في اوساط الحكومة العراقية الان، بدأه بالتحدث عما حصل في بداية الاسبوع الماضي عندما فقد الدينار العراقي 25 بالمائة من قيمته امام الدولار بشكل مفاجئ. وقال الكاتب ان هذا الوضع جعل الجميع يتساءل عما حدث وهل بدر امر عن الرئيس الاميركي او الرئيس العراقي اللذين يحدد تصرفهما وقوع حرب من عدمه. وهل دنا الرئيس بوش من موعد الحرب ام هل اخترق احدهم دفاعات صدام وبضمنها اشباهه واغتال الرئيس العراقي ؟

وتابع الكاتب بان الدينار العراقي سرعان ما استقر عند حلول الليل ثم ما لبثت ان سرت اشاعات ذكرت ان احد المسؤولين في الحكومة ضخ كمية هائلة من الدنانير العراقية الى السوق واشترى بها عشرات الملايين من الدولارات خلال ساعات قليلة. ودفع ذلك البعض الى التساؤل عما يمكن لشخص ما في السلطة أن يفعل بهذه الكمية الهائلة من الدولارات غير كونه ينوي الهرب او ارسال افراد اسرته الى الخارج قبل سقوط الصواريخ الاميركية على بغداد او حدوث انقلاب فيها.

الا ان كل ذلك انما يعطى صورة واضحة عن وضع الانهيار الذي تعيشه السلطة العراقية اليوم كما قال الكاتب الذي ذكر بحادثة مشابهة وقعت في عام 1995 عندما هرب حسين كامل، صهر صدام، الى الاردن حاملا معه كما قيل 25 مليون دولار نقدا، ثم كشف عن اسرار برامج العراق التسلحية لوكالة المخابرات المركزية قبل ان يعود، مصدقا وعود والد زوجته بالعفو عنه ليقتل هو ووالده وعدد من جماعته قبل مرور اثنتين وسبعين ساعة على عبوره الحدود.

ولكن مجرد التعبير عن مثل هذه التكهنات، كما قال كاتب المقال، قد يؤدي الى اعتقال قائلها وتعذيبه ثم اعدامه وبالتالي من الصعب على مراسل اجنبي في بغداد ان يعرف بالتحديد سبب هبوط سعر الدينار. غير ان ما هو واضح وكما تابع الكاتب هو ان حالة من التوتر تسود في كل مكان داخل الحكومة بسبب ازمة برامج صدام للاسلحة السرية، وحتى قبل ان ينطلق اول صاروخ كروز في اتجاه بغداد. فهناك حالة من التوتر الشديد ومن الشلل وانعدام الثقة مع دخول المفتشين القصور الرئاسية. وتلك امور يخشى المراسلون الاجانب التحدث عنها خوفا من حرمانهم من تاشيرات الدخول الى العراق في المستقبل.

--- فاصل ---

ومع ذلك، وكما اضاف مراسل صحيفة نيويورك تايمز، هناك اشارات واضحة تكفي لملاحظة حالة فقدان التماسك داخل الاوساط الحكومية في بغداد مع زيادة الولايات المتحدة ضغطها في اتجاه تجريد نظام صدام من الاسلحة. رغم ان القول إن السلطة في بغداد تتفكك تماما سيكون تكهنا مبالغا فيه، كما قال الكاتب، ذلك الا شيء يشبه تحدي صدام. ومع ذلك يمكن لصحفي كان في بغداد عشية حرب الخليج الاولى اي قبل اثني عشر عاما، ويذهب اليها الان، يمكن له ان يلاحظ الاختلافات والتناقضات، ابتداءا بتصريحات الرئيس العراقي العنيدة والواضحة في ذلك الوقت وتصريحاته الحائرة والمضطربة اليوم. ففي خطاباته في السبعينات والثمانينات كان صدام، رغم عدم كونه خطيبا محنكا، يتحدث بقوة وعن اهداف واضحة. وكان العديد من العراقيين والادارات الاميركية المتعاقبة مستعدين للتسامح مع وحشيته والتركيز على تطويره اقتصاد العراق ووضعه التعليمي وخدماته الصحية وبناه الارتكازية العلمية التي ستكون اساس برامج اسلحته الطموحة، كما قال الكاتب.

الا ان صدام راح مؤخرا يعطي انطباعا بكونه رجلا يفتقد الى الثقة في مساره. فهو وكما يراه العديد من العراقيين ومن الاجانب مرتبك وحائر يقدم ساقا ويؤخر اخرى ويعبر في جملة واحدة احيانا عن رغبة في التنازل في سبيل انقاذ نفسه وعن رغبة قديمة في التحدي. وقد يعكس هذا جزئيا، ضيق ما امامه من خيارات مع تحذيرات الرئيس بوش الاخيرة له بالتخلي عن اسلحته او اسقاطه.

ومع ذلك، لا يفسر هذا وحده كامل المتغيرات في خطب صدام، كما تابع الكاتب. فهناك ايضا احساس واضح بالتدهور وباليأس لوحظ سابقا لدى رؤساء شموليين اخرين مثل ماو وبريجنيف عند وصولهم الى نهاية فترة طويلة مارسوا خلالها السلطة دون ان ينافسهم فيها احد وبدون اي تغيير.

ونحن نشاهد صدام البالغ من العمر الان خمسة وستين عاما، والكلام ما يزال لكاتب التقرير، يجلس مع بطانته في الفلم التلفزيوني الذي اعلن فيه دعوة المفتشين الى العودة الى العراق، من الصعب الا نتساءل عما اذا كان النظام في العراق قد وصل الى ارذل العمر وبلغ مرحلة متقدمة من الشيخوخة والعجز برجاله الذين حكموا طويلا دون ان يتحداهم احد ويبدون اليوم عاجزين عن الامساك بالدفة بقوة.

--- فاصل ---

فالخوف واضح على كل واحد منهم، كما قال الكاتب، عزت ابراهيم، طه ياسين رمضان وطارق عزيز، وهم كلهم في اواخر الستينات او اوائل السبعينات، يضحكون بعصبية بناءا على اشارة من القائد، ويثبتون اقلامهم على دفاتر ملاحظاتهم ولا يظهر في وجوههم الملتفتة الى صدام اي تعبير. ونلاحظ ان صدام هو الوحيد الذي يتحدث. وعادة ما يظهر حاملا سيجار هافانا الذي يحصل عليه هدية من الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، الا انه ظهر هذه المرة وسيجاره مطفأ امامه. ومن غير المعروف بالتأكيد كم سيحدد هذا تجاوب العراق مع مطالب مجلس الامن للكشف عن اسلحته للدمار الشامل. الا ان صدام ظهر في حديثه مثل رجل حائر بين الخضوع والتحدي.

ولاحظ الكاتب ايضا ان الجنرالات الذين ترك لهم صدام مهمة التحدث عن الاسلحة وتهيئة الاعلان المكون من اثنتي عشر الف صفحة والذين اصبحوا مدانين اليوم بحالات السهو والنقوصات فيه والتي اشارت اليها واشنطن واشار اليها كبير المفتشين بليكس، يكاد هؤلاء الجنرالات، كما قال الكاتب، لا يعرفون ان كان المطلوب منهم الان هو الكشف الكامل عن الاسلحة ام تأكيد ما من المحتمل ان يعثر عليه الاعداء فقط.

عدم اليقين واضح على جميع مستويات الحكومة، كما أكد الكاتب. ويُظهر المسؤولون المكلفون بالتعامل مع الصحفيين الاجانب حالة من التذبذب والعصبية والخوف المستمرة والعميقة. وفي لحظات اعتراف سريعة، يتحدث البعض بابهام عن مناورات تجري على اعلى المستويات.

إذ يهمس بعض المسؤولين، حسب قول الكاتب، باقاويل عن رجل يعتبره بعض العراقيين الاكثر غموضا وربما الاخطر، وهو عدي صدام حسين البالغ من العمر الثامنة والثلاثين، وهو خصم نجل صدام الثاني، قصي.

ويذكر هنا ان الحكومة اوقفت صحيفة عدي عن الصدور الشهر الماضي بعد نشرها مقالات تعرضت فيها الى عدم كفاءة الحكومة وفسادها. ونشر احدها ما ورد في تقرير لصحيفة التايمز اللندنية، عن قيام صدام حسين بدفع عشرات الملايين من الدولارات للرئيس الليبي معمر القذافي مقابل استقبال أفراد اسرته في حالة وقوع حرب. بينما انتقد مقال اخر وزارة الاعلام لتهديدها الصريح الصحفيين الذين غطوا بحماس زائد احتجاج امهات عراقيات، وهو امر نادر الحدوث، على فقدهن اولادهن في سجون صدام.

وقال الكاتب إن عدي معروف لدى العراقيين بكونه الرجل الذي وجه مسدسه الى من دفعته تعاسة حظه من افراد اسرته او من بطانة ابيه الى ازعاجه او معارضته. وإن كان هناك شخص آخر عدا صدام حسين، يمثل انموذجا للماضي فهو عدي، كما قال الكاتب. الا انه يقدم نفسه اليوم على انه الرجل الذي يمكن ان يتوجه اليه العراقيون ان ارادوا رجلا عصرانيا يخرجهم من الطريق المسدود الذي اوصلهم اليه والده. وعلق الكاتب اخيرا بالقول: الا ان ذلك هو اكبر وهم قد يسقط فيه احد على الاطلاق.

على صلة

XS
SM
MD
LG