روابط للدخول

التحولات التي يشهدها حلف شمال الأطلسي


إذا كان أسبوع واحد يعتبر فترة طويلة في السياسة، بحسب عبارة لرئيس الوزراء البريطاني العمالي الراحل هارولد ولسن علّق بها على تطورات دراماتيكية متتابعة شهدتها بلاده خلال أسبوع محدد، فإن عقدا من الزمن يجب اعتباره بمثابة قرن في السياسة. فعقد واحد من الزمن منذ زوال الأتحاد السوفياتي ومعه حلف وارشو، كان كافيا كي يشهد حلف شمال الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة تحولات دراماتيكية بكل المقاييس، تُوّجت الأسبوع الماضي في العاصمة التشيكية براغ بقمة شهدت توجيه الدعوة الى ثلاث جمهوريات سوفياتية سابقة وأربع دول في شرق أوروبا ووسطها كانت تدور في فلك موسكو، للانضمام الى الحلف الغربي. مراسل اذاعتنا في براغ فالِنتيناس ميتيه أعد تقريرا عن هذا التطور المهم وآفاقه، وهو موضوع حلقة هذا الأسبوع من برنامج "عالم متحول".

--- فاصل ---

أي فرق يمكن أن يشكله يوم واحد، أقلّه بالنسبة الى سبع دول في شرق أوروبا ووسطها تلقت الدعوة رسميا للانضمام الى حلف الأطلسي خلال قمة الدول الأعضاء التي عُقدت في براغ الأسبوع الماضي. وستمر سنتان تقريبا قبل أن تصبح هذه الدول السبع رسميا أعضاء في الحلف بعد أن تصادق برلمانات جميع الدول الأعضاء حاليا، وعددهم تسعة عشر، على توسيع الحلف. الدول السبع هي: بلغاريا وأستونيا ولاتفيا وليثوانيا ورومانيا وسلوفينيا وسلوفياكيا. وسيتعين على هذه الدول أن عمل الكثير خلال هذه المدة قبل أن تحصل على العوية الكاملة في ايار عام 2004، على رغم أنها قد تتحسس المنافع منذ الآن في شكل أمن أفضل واهتمام أكبر من قبل المستثمرين الأجانب.
وتشمل التزامات الدول المرشحة السبع لعب دور أكبر في الجمعية البرلمانية للحلف والتي تعتبر منبرا رئيسيا للحوار بين الدول الاعضاء في القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية. ويقول رئيس هذه الجمعية رافائيل إيستريلا رافائيل Rafael Estrella Rafael إنه يرحب بقررا قمة براغ، مضيفا أن الدول السبع أصبحت حرة لتحديد رؤيتها بالنسبة الى مستقبلها كشرككاء في المجتمع الأوروبي – الأطلسي. كما أن هذه الدول تشعر أنها لن تبقى وحيدة في الميدان في وقت الأزمات.

إيستيلا:
"من الصعب تصور نشوء أزمات، لكن من الواضح الآن وجود ضمانات لردع كل من يفكر بمهاجمة اي من هذه الدول. وأعني أن حقيقة كونها على طريق الانضمام الى الأطلسي وأنها تفاوضت على العضوية وباتت مقبولة، أن هذا كله سيشكل فورا نوعا من التحذير السياسي مفاده: لا يمكن أحدا أن يمس هذه الدول بسوء."

الى ذلك فان الدعوة للانضمام الى الحلف لا يشكل ضمانا أمنيا فحسب، بل يوفر ايضا ضمانا اقتصاديا.

إيستيلا:
"هذه أيضا رسالة واضحة الى الأسواق والمستثمرين مفادها أن الدولة التي تُدعى للانضمام الى الاطلسي لا يمكن ان تكون غير مستقرة، ولا يجوز التشكيك بمستقبلها واستقرارها. لذا أعتقد أن الدعوة ستنعش الاستثمار ايضا في هذه الدول".

ويرى إيستيلا أن العامل الاقتصادي بالنسبة الى دولة مدعوة للانضمام الى حلف الاطلسي أمر مهم خصوصا لرومانيا وبلغاريا اللتين لم تكونا بين الدول التي دعيت الى الانضمام الى الاتحاد الاوروبي في الجولة الاولى. لكن يرجي سيديفي Jiri Sedivy من المعهد التشيكي للعلاقات الدولية لا يعتقد أن الدعوة تعتبر علاجا فوريا للأمراض الاقتصادية. ولا يرى ارتباطا واضحا بين الاستثمار الاجنبي وعضوية الأطلسي.

سيديفي:
"يجوز القول إن الانضمام الى الاطلسي قد يوفر بعض الضمانات النفسانية للاستثمار الاجنبي، لكن لا سبيل ابدا الى تأكيد وجود أرتباط بين الأثنين".

غير أن سيديفي يستدرك بالقول إن عضوية الاطلسي يمكنها أن تحقق منافع عبر طرق اخرى. فجمهورية تشيخيا التي انضمت الى الحلف في عام 1999 سوية مع هنغاريا وبولندا، أضطرت أن تقدم على تسريع تنفيذ الخطط الخاصة بأصلاح اقتصادها الذي كان يعتمد مبدأ العهد الشيوعي القائم على مؤسسات الاقتصاد العسكري. ويلاحظ سيديفي ايضا أن قرار الحكومة التشيكية قبل اسبوع بتنفيذ خطة بناء جيش محترف كان يستحيل توقعه لولا انضمام تشيكيا الى الأطلسي.

سيديفي:
"العضوية تعتبر وسيلة ضغط غير رسمية، على رغم ان الامين العام للاطلسي جورج روبرتسون زار براغ في ايار العام الماضي وانتقد بوضوح خطة الاصلاح العسكري وتعثر تشيخيا في تنفيذ التزاماتها في اطار الحلف. كما انه انتقد بوضوح ايضا إجراءاتنا، الأمر الذي ساعدنا كثيرا."

سيديفي يقول ايضا إن أهدافا معينة قد يكون تحقيقها أسهل بالنسبة الى دول البلطيق وسلوفينيا التي لم تكن تملك جيوشا قبل عقد من الزمن. فهذه الدول بدأت الآن في بناء قواتها المسلحة من الصفر معتمدة مقاييس حلف الاطلسي مباشرة. لكن الاصلاح العسكري قد يكون اصعب بكثير في دول مثل رومانيا وبلغاريا اللتين تملكان حاليا قوات مسلحة كبيرة العدد مما يجعل صعبا خفضها وتحديثها.
سيديفي يضيف أن هناك فروقا بين الدول الثلاث التي انضمت الى الاطلسي في 1999، وبين الدول السبع التي دعيت الى الانضمام خلال قمة براغ. فهذه الأخيرة يرتبط كل منها بالاطلسي عبر ما يعرف بخطط العمل للعضوية، وسيمارس الاطلسي عليها – مباشرة أو بطريق غير مباشر – ضغوطا أكثر كي تنفذ التزاماتها.
والدول المرتبطة بالاطلس عبر خطط العمل مطلوب منها أن تقدم سنويا مسودات خطط للتكامل كي يقومها الحلف. وبحسب سيدييف فان الاحتمال يبقى قائما بأن الدول السبع المدعوة لن يحصل جميعها على العضوية الكاملة بعد سنتين.

سيديفي:
"إنه احتمال فحسب. فاذا كانت هناك مشاكل جدية، وعلى سبيل المثال على صعيد أوضاع سياسية داخلية، أو تراجع جدي في مجال تحقيق الاصلاح العسكري، ربما لن تحصل عضوية الدولة المعنية على المصادقة المطلوبة".

لكن هذه القول لم يمنع سيدييف من استبعاد نشوء أي تطور سياسي سلبي جدي، أو تعرض اي من الدول المرشحة السبع للغزو مثلا.

--- فاصل ---

من اذاعة العراق الحر في براغ نواصل بث برنامج "عالم متحول"، وموضوع حلقة هذا الأسبوع هو التحولات التي يشهدها حلف شمال الأطلسي.

سيداتي وسادتي..
لكن ماذا بالنسبة الى الدولة التي كان المرشحون الى عضوية الأطلسي يدورون في فلكها، أي روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي السابق؟
مراسل آخر لاذاعتنا في براغ هو جيريمي برانستين Jeremy Bransten لاحظ ان زعماء حلف الاطلسي انتهزوا كل فرصة خلال القمة ليؤكدوا لعدوهم السابق أن قرارهم توسيع الحلف يجب أن تعتبره موسكو خبرا سارا.
روسيا التي ظلت تعارض توسيع الحلف ستشاطر الان الأطلسي حدودا طويلة. لكن الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سانت بطرسبورغ بعد انتهاء قمة براغ مباشرة، شدد مجددا على أن توسيع الاطلسي يصب في مصلحة موسكو إذ أن ذلك سيشكل ضمانا للاستقرار على حدود روسيا.
يشار الى أن وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف دعي الى المكشاركة في القمة عبر محادثات مع زعمائها في اطار المجلس الروسي – الاطلسي الذي تم تأسيسه قبل ستة أشهر ليكون منبرا للحوار والتعاون بين الجانبين في مجالات عدة، خصوصا مكافحة الارهاب.
أمين عام الحلف جورج روبرتسون أعرب عن دعمه للكرملين نيابة عن الاطلسي في أعقاب عملية احتجاز الهائن في مسرح موسكوفي. روبرتسون قال في اجتماع لوزراء الخارجية عقد على هامش القمة:
"أستطيع أن أقول لكم إن أكثر موضوع تطرقنا اليه خلال اجتماع اليوم كان يتعلق بعملية المسرح في موسكو، وقد أعرب جميع الوزراء الجالسين حول الطاولة عن اشمئزازهم وارتعابهم من ان مدنيين أبرياء صاروا ضحايا هذا العمل الاجرامي. إنه أمر اثار تضامنا قويا مع روسيا في مواجهة الارهاب، لأن دولا أخرى كثيرة ممثلة في هذه القاعة خاضت تجارب مرة لجهة الارهاب الداخلي".

ولعل المعاملة التي حضى بها وزير الخارجية الروسي وتلك التي خص بها أعضاء الأطلسي الرئيس الأوكراني ليونيد كوتشما... لعلها تشكل دلالة مهمة. فالأول مثل دولة وصف الرئيس بوش زعيمها بانه الصديق الصدوق، بينما الثاني مثّل دولة تتهمها الولايات المتحدة وبريطانيا ببيع العراق معدات حربية محظورة بموجب قرارات الامم المتحدة.

سيداتي وسادتي..
حقا إنه عالم متحول.

على صلة

XS
SM
MD
LG