روابط للدخول

كيف يتم بناء عراق جديد بعد صدام


معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أصدر أخيراً كتابا بعنوان (كيف يتم بناء عراق جديد بعد صدام) يتضمن عدداً من الدراسات لخبراء بارزين في الشأن العراقي، وهم Patrick Clawson نائب مدير معهد واشنطن والكاتب البارز في الشؤون العراقية، وEllen Laipson رئيسة مركز Henry Stimson في العاصمة الأميركية ونائبة الرئيس السابقة لمجلس الاستخبارات القومي، ورند رحيم فرانكي رئيسة المعهد العراقي في واشنطن وهي أميركية من أصل عراقي، وكامران قرة داغي نائب مدير ورئيس تحرير إذاعة العراق الحر في براغ والزميل الزائر في معهد واشنطن في 1993، وMichael Rubin الباحث الزائر في معهد American Enterprise، وصفوت رشيد صدقي المحامي والعضو المؤسس لمنظمة كردستان لحقوق الإنسان في السليمانية، وAmatzia Baram مدير المركز اليهودي / العربي ومعهد Gustav Heinemann لدراسات الشرق الأوسط بجامعة حيفا. ونقدم لكم فيما يلي مراجعة لما تناولته هذه المقالات، وذلك ضمن حلقة هذا الأسبوع من برنامج (العراق في دور الفكر والنشر).

يقول Patrick Clawson – الذي أشرف على إعداد الكتاب - في مقدمته إن نجاح سياسة الولايات المتحدة الهادفة إلى تغيير النظام في بغداد يعتمد بدرجة كبيرة على تحديد ما سيتحول إليه العراق بعد إطاحة صدام حسين.
ومن بين أهداف مركزية أخرى، فإن أي إستراتيجية لابد لها أن تتضمن هدفاً طويل الأمد يتمثل في تحويل العراق إلى بلد مستقر وصديق.
ومن اجل السعي وراء هذه الغاية تناولت الأبحاث الخمسة في هذا الكتاب دراسة التحديات الملحة التي ستظهر في عراق ما بعد صدام حسين.

--- فاصل ---

يقول Clawson إن الخبراء - رغم مخاوفهم العديدة حول مستقبل العراق بعد صدام - يبدون متفقين على أن الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية لن تشكل تحدياً كبيراً، وهي وجهة نظر تتعارض تماماً مع الحجج المطروحة حاليا في الغرب حيث يحذر العديد من المحللين من الخطر الكبير المتمثل في احتمال تفكك العراق إلى ثلاثة أجزاء، تكون من نصيب الكرد والعرب الشيعة والعرب السنة.

ويشير Clawson إلى أن أحد الأسباب التي ستجعل العراق يحتفظ بوحدته يعود على اعتماد البلاد الكامل على إيراداته النفطية، فالسيطرة على نفط العراق تعني السيطرة على العراق ذاته.
وسيزداد هذا العنصر أهمية في حال تمكن العراق من زيادة إنتاج نفطه إلى ما لا يقل عن 6 ملايين برميل يومياً خلال العقد الأول التالي لإطاحة صدام، ما سيحقق إيرادات سنوية ستبلغ نحو 33 مليار دولار.
ويؤكد المُعد إن أيا من الفئات العراقية لن تكون مستعدة للتضحية بحصتها من هذه الإيرادات نتيجة انشقاقها عن الوحدة العراقية.

--- فاصل ---

ويؤكد الباحثون أن الكرد العراقيين - حتى لو كانت الفئات العراقية غير الكردية تعاني من الضعف والانشقاق بدرجة تجعلها غير قادرة على منع الكرد من الاستقلال - فسوف تبقى أمامهم مواجهة معارضة تركيا الصارمة.
ويؤكد Clawson أن حتى احتمال قبول إيران وسوريا بإنشاء كردستان العراق المستقلة، فإن تركيا ستلجأ بصورة شبه حتمية إلى استخدام القوة العسكرية للحيلولة دون تفكك العراق مع تمتعها بدعم سياسي قوي من العالم العربي.
غير أن الباحثين يعتبرون أيضا أن الدور المركزي للنفط لا يبشر بالضرورة بالخير للاستقرار السياسي، فالثروات النفطية الهائلة قد تجعل الفئات المختلفة تتنازع في ما بينها من أجل السيطرة على الدولة.
ويعتبر الباحثون في مقالاتهم أن انعدام الاستقرار السياسي يشكل تهديداً يفوق في خطورته احتمال تفكك العراق إلى دويلات عرقية، فلقد تعرض العراق إلى سلسلة من الانقلابات الدموية منذ 1958 وحتى تمكن صدام من الانفراد بالسلطة في نهاية السبعينات.
ومن المحتمل - بحسب الباحثين - أن يعود العراق إلى وضع الانقلابات المتتالية نتيجة عدد من المؤثرات، من بينها التنافس الشديد بين العشائر الكبيرة وما تتمتع به هذه العشائر من نفوذ بين صفوف كبار ضباط الجيش.
ويعتبر Clawson أن هذا الوضع سيكون بمثابة كارثة تلم بالشعب العراقي، وأنه سيساهم في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها.

--- فاصل ---

ويشير الباحثون إلى أن سلسلة الانقلابات المحتملة قد تبدأ بانقلاب ينفذ خلال العمليات العسكرية الأمريكية في العراق، أي إثر تمكن القوات الأمريكية من إضعاف الحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص بدرجة تمكن قادة الجيش النظامي من استغلال هذه الفرصة لإطاحة صدام قبل قضاء الولايات المتحدة على وحداتهم.
ومن المحتمل أيضا أن يرفض هؤلاء القادة التنازل عن أسلحة العراق للدمار الشامل، وهي الأسلحة التي يعتبرها الكثيرون في المؤسسة العسكرية العراقية العنصر الأساسي الذي حال دون هزيمة العراق أمام إيران في الثمانينات.
وحتى في حال قيام نظام جديد في العراق بعد انتهاء الحملة العسكرية الأمريكية – استنادا إلى الباحثين - فإن الحكومة الأولى التالية لحكومة صدام قد تنهار بسرعة ما لم تتدخل القوات الأمريكية لمنع وقوع انقلابات أخرى.
ولكن هذه الحالة ستجعل الولايات المتحدة مسؤولة بحكم الواقع عن مدى نجاح الحكومة العراقية الجديدة، ما سيجعل الولايات المتحدة في نهاية المطاف تسعى إلى إعادة تكوين المجتمع العراقي ليتحول العراق إلى بلد ديمقراطي على النمط الغربي، وهو ما نفذه الأمريكيون خلال احتلالهم اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.
ولكن – وفي حال عدم لجوئها إلى الاحتلال الكامل – فإن القوات الأميركية ستكون مقيدة نتيجة ضرورة احترامها لسيادة وسلطة الحكومة العراقية الجديدة، ويوضح الباحثون إن هذا القيد سيزيد من تعقيد مهمة إعادة تكوين العراق، الأمر الذي سيضخم احتمال ظهور أحقاد وطنية ضد الوجود الأميركي.
ويحذر الباحثون من أن الاحتلال الكامل للعراق يمثل تحديا كبيرا، ولكن الحفاظ على استقرار العراق وصداقته في غياب هذا الاحتلال سيكون في الأرجح أصعب بكثير، ما يتم إيجاد السبيل إلى جعل احتمال وقوع سلسلة من الانقلابات في عهد ما بعد صدام، احتمالا ضعيفا.

--- فاصل ---

وينتقل الباحثون في دراساتهم إلى المنافع المرجوة من تحرير العراق، ويشيرون إلى أن تحقيق النصر الميداني على القوات العراقية لن يكون أمرا سهلا، ولكن التحديات الأكبر تكمن في ضمان تحول العراق – في مرحلة ما بعد صدام حسين – إلى دولة صديقة ومستقرة. لذا فلا بد لهذه الاعتبار أن يهيمن على تكوين الإستراتيجية العسكرية الأميركية.
فالإستراتيجية التي تحقق النصر على القوات العراقية ستفقد قيمتها، إذا حالت هذه الإستراتيجية دون تحقيق الولايات المتحدة وحلفائها الهدف الأكبر المتمثل في منح العراق الاستقرار برعاية قيادة مسؤولة. وهكذا يترتب على المخططين العسكريين أن ينتبهوا بشكل خاص إلى مدى تأثير عملياتهم على مستقبل العراق.
ويعتبر الباحثون أن الإستراتيجية الأكثر طموحا تتمثل في منح العراقيين أكبر قدر ممكن من الفخر في دحر قوات صدام حسين، ما سيجعلهم يشعرون بأنهم مسؤولين عن إطاحة صدام، وهي الإستراتيجية التي تحقق ما يعتبر تحريرا وليس احتلالا.
ويتطلب هذا التوجه تحديد الدور الميداني للقوات الأميركية بأصغر دور ممكن، مع التركيز على حض الوحدات العسكرية العراقية على تغيير ولائها.
ومهما كانت نقاط الضعف الكامنة في إستراتيجية التحرير، فإنها – استنادا إلى Patrick Clawson – تتمتع بميزة حيوية ومهمة، فهي هي تركز على المشكلة الأصعب في معالجة الوضع العراقي، أي على إعادة توحيد المجتمع العراقي بعد زوال صدام حسين. ويؤكد الباحث أن أي إستراتيجية لتغيير النظام لا بد لها أن تبدأ بشرح سبل معالجتها لهذا التحدي الكبير، ومن ثم الانتقال إلى البحث في السبيل الأمثل الكفيل باستبدال النظام الحالي.

على صلة

XS
SM
MD
LG