روابط للدخول

التحولات في الولايات المتحدة والعالم بعد الهجوم الإرهابي على أميركا في الحادي عشر من ايلول العام الماضي


هل أدى الهجوم الأرهابي على الولايات المتحدة في الحادي عشر من ايلول قبل عام الى تدمير النظام العالمي أم الى هزّه؟ هذا السؤال طرحه مراسلا اذاعة أوروبا الحرة/ اذاعة الحرية جيفري دونوفان وتشارلز ريكناغل في واحد من سلسلة التحقيقات التي أعداها بمناسبة مرور عام على تعرض مدينتي نيويورك وواشنطن الى هجوم ارهابي اسفر عن سقوط آلاف القتلى، وأدى الى تحولات جذرية في التعامل مع الأرهاب العالمي. وهذا هو الموضوع يتناوله برنامج "عالم متحول" في حلقة هذا الأسبوع الذي يصادف الذكرى السنوية الأولى للهجمات الارهابية في الحادي عشر من ايلول.

--- فاصل ---

الهجوم الارهابي الذي يسميه الأميركيون تسعة أحد عشر، إشارة الى الشهر واليوم الذي وقع فيه، كان له تأثير هائل على ادارة الرئيس جورج بوش. فبضربة جبارة واحدة، أُجبر البيت الأبيض على أن يحول أنظاره الى خارج حدود الولايات المتحدة. والعواقب الكاملة لهذا التغيّر مازالت، على ما يبدو، لم تُستوعب بعد.
في الحادي عشر من ايلول قبل عام لم يكن مضى سوى ثمانية أشهر على ولاية بوش الذي كان إعترف بأنه مبتدىْ في السياسة الخارجية. وكان حتى ذلك الوقت يقلق كثيرين في الداخل وبين الحلفاء الأوروبيين وفي روسيا بسبب الانطباع بأنه يسعى الى تحقيق أهداف السياسة الداخلية على حساب الارتباطات الخارجية.
قبل الحادي عشر من ايلول كان بوش أعلن أنه سيعمل على تقليص التزامات الولايات المتحدة على الصعيد الخارجي، كالمشاركة في عملية حفظ السلام في البلقان، وعلى عرقلة عدد من المعاهدات الدولية او حتى الاسنحاب منها، مثل معاهدة حظر الصاريخ الباليستية، ومعاهدة كويوتو الخاصة بالمناخ، واتفاقات في شأن الأسلحة البايولوجية والكيماوية.
لكن اي نزعة لبوش الى ما يسميه منتقدوه بالانعزالية انتهت على حين غرة في الحادي عشر من أيلول. في ذلك اليوم تحدث بوش وقد هزته الأحداث ليعلن بوضوح أن المضاعفات سيُشعر بها في مناطق بعيدة جدا عن الولايات المتحدة:

"إن عزم دولتنا العظيمة يتعرض للامتحان. لكن لا أحد يجب أن يقع في أي خطأ. فسنظهر للعالم أننا سنجتاز هذا الأمتحان. وليباركنا الله."

--- فاصل ---

لكن كما غير هجوم الحادي عشر من ايلول أولويات بوش، فإنه غير ايضا تصورات كثيرين من حلفاء أميركا وأعدائها عن الادارة الاميركية.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان أول زعيم أجنبي إتصل ببوش بعد الهجوم ليقدم له الدعم. وسرعان ما تبعه زعماء آخرون، وتحولت الانتقادات السابقة للبيت الأبيض الى موجة من التعاطف والتضامن العالميين. وعبر المستشار الألماني غيرهادر شرويدر عن عواطف مشتركة:
"هذا إعلان للحرب على العالم المتحضر باسره".

--- فاصل ---

نواصل بث برنامج "عالم متحول"، وحلقة هذا الأسبوع مكرسة للتحولات في الولايات المتحدة والعالم بعد الهجوم الأرهابي على أميركا في الحادي عشر من ايلول العام الماضي.
الرئيس بوش، الذي بات اهتمامه مركزا كليا على الشؤون الخارجية، شن حملة عالمية لاقامة تحالف في الحرب ضد الأرهاب. وحصل على دعم عشرات الدول لهجوم أميركي على حركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان، أو للتعاون في بذل جهود غير عسكرية لمواجهة الأرهاب. لكن حتى وبوش يسعى الى حشد الدعم الدولي، فإنه احتفظ بنزعته الأولى للقيام بعمل من جانب واحد. وبدلا من أن يسعى الى حشد تحالف دولي ضد الأرهاب عبر حلف شمال الأطلسي، فإنه آثر أن يقيم التحالفات مع دول أخرى مباشرة. واعلن الرئيس ما بات يعرف بمبدأ بوش حين قال إن الدول الأخرى "إما معنا أو ضدنا"، مضيفا ان كل من يؤوي ارهابيين يجب أن ينتظر المصير ذاته الذي تعرضت له أفغانستان في ظل طالبان. وفي الوقت نفسه إحتفظ بوش بحق الولايات المتحدة في توجيه ضربات استباقية لمنع هجمات إرهابية مقبلة ضد مصالح الولايات المتحدة.
وبينما كانت واشنطن تقوم بتحويل سياستها الخارجية كي تخوض حربا جديدة ضد الأرهاب، فإنها وجدت مندهشة شريكا متفتحا بسرعة في صورة الرئيس بوتين. ويتفق معظم المحللين على ان بوتين انتهز الفرصة لتغيير استراتيجية روسيا تجاه الغرب، فأذعن لوجود عسكري أميركي في آسيا الوسطى بغية استهداف طالبان والقاعدة في أفغانستان، وسمح باستخدام الأجواء الروسية لنقل مواد إنسانية، وقدم لواشنطن دعما سياسيا واستخباراتيا قويا.
وكان هذا تغييرا ملموسا بالنسبة الى الرئيس الروسي الذي بدا أنه كان قبل الحادي عشر من ايلول يسعى الى تعزيز علاقات روسيا مع ايران وكوريا الشمالية والعراق والصين في محاولة لايجاد توازن مع القوة الأميركية.
وعندما أعلنت واشنطن قرارها الانسحاب من جانب واحد من معاهدة حظر الصواريخ الباليستية في كانون الأول من العام الماضي، رد بوتين ببساطة مؤكد التزامه علاقات روسية – أميركية متينة. ولاحقا وقع البلدان في موسكو معاهدة تعهدا بموجبها على تحقيق خفض كبير في ترسانتهيما من الرؤوس الحربية الاستراتيجية، لكنها لم تتضمن سوى القليل من التفاصيل مقارنة بالمعاهدة السابقة.
الى ذلك حصلت موسكو على مكان في مجلس الأطلسي – روسيا الجديد، ومنحتها الولايات المتحدة وضع دولة لاقتصاد السوق، كما تقرر منحها العضوية الكاملة في مجموعة الدول الصناعية السبع لتصبح مجموعة الثمانية اعتبارا من عام 2006.
ولعل أهم ما حصل تمثل في انحسار الانتقادات الاميركية لموسكو بسبب تعاملها مع الشيشان، بينما اعلن بوتين نفسه للمرة الأولى ان روسيا تواجه تهديدا ارهابيا من الجمهورية الفقاسية المنشقة.
نيكولاي زلوبين محلل سياسي روسي في مركز المعلومات الدفاعية في واشنطن يقول إن بوتين هو عمليا الوحيد في أوساط الراي العام والنخبة الروسية الذي يريد تحويل مسار روسيا نحو الغرب. ولهذا السبب – يضيف زلوبين معلقا على التوجه الروسي المتجدد نحو ايران والعراق وكوريا الشمالية، وهي الدول التي وصفها بوش بانها محور الشر، لهذا السبب فإن الحكم مازال غير أكيد على أن جهود بوتين ستنجح في نهاية الأمر.
"أعتقد أننا يجب أن نكون واقعيين، إذ لم تتطور العلاقات الروسية – الأميركية كثيرا. لقد تحقق الكثير من التطور في العلاقات بين الولايات المتحدة والرئيس بوتين، وهذا أمر مختلف تماما".

--- فاصل ---

في غضون ذلك – وأود أن أذكر مستمعي اذاعة العراق الحر من براغ بأننا نواصل تقديم برنامج "عالم متحول"، وحلقة هذا الأسبوع تتناول التحولات في الولايات المتحدة والعالم بعد الهجوم الأرهابي على أميركا في الحادي عشر من ايلول العام الماضي – في غضون ذلك كسبت أميركا أصدقاء جدد في آسيا الوسطى. الدول في هذه المنطقة، التي كانت تعتبرها واشنطن سابقا ذات أنظمة استبدادية متخلفة، أصبحت تحتل فجأة أهمية رئيسية في الحرب الجارية قريبا من حدودها في أفغانستان. أوزبكستان وقرغيزستان سمحتا للولايات المتحدة باقامة قواعد في أراضيهما، بينما منحتها كازاخستان وطاجيكستان حق هبوط طائراتها في أراضيهما.
ويعتقد محللون أن هذه التحولات في آسيا الوسطى غيرت بعمق التوازن الجيوبوليتيكي هناك، ممهدة لأنحسار القوة الروسية وإبطاء تقدم الصين في اتجاه احتياطي النفط والغاز في المنطقة. لكن هؤلاء المحللين يقولون ايضا أن الانطمة الاستبدادية في المنطقة شددت قبضتها أكثر على زمام الامور لأعتقاد زعمائها ان الولايات المتحدة لن توجه اليها انتقادات جدية طالما تحتاج واشنطن تعاون هذه الدول معها.

--- فاصل ---

لكن إذا كانت الولايات المتحدة وروسيا وآسيا الوسطى عززت العلاقات بينها، فإن العلاقات بين أميركا وأوروبا فترت بعد فترة قصيرة من الدفء تلت أحداث الحادي عشر من أيلول.
أحد المواضيع الرئيسية التي تفصل بين أوروبا وواشتطن يتمثل في بروتوكول كويوتو ومعاهدة إنشاء محمة الجنايات الدولية، التي تعتبرها أوروبا أنه خطوة متقدمة رئيسية في مجال حقوق الأنسان.
جيسيكا ماثيوز الباحثة في مؤسسة كارنيغي إنداومينت من أجل السلام الدولي تقول إن العلاقات الأميركية – الأوروبية تعرضت لتحول فظيع في كانون الثاني الماضي عندما ألقى بوش خطابه عن حال الأمة واستخدم فيه عبارة "محور الشر" من دون التشاور مع الحلفاء الأوروبيين.
ومنذ ذلك الحين سارت الأمور من سيء الى أسوأ، كما ترى ماثيوز، إذ أن دولا أوروبية كثيرة اصبحت تنظر الى الولايات المتحدة كقوة هائلة مارقة لا يهمها سوى تحقيق أهدافها الخاصة في سياستها الخارجية، بما في ذلك شن حرب محتملة ضد العراق، من دون أي إعتبار للانقتادات الخارجية:
"توسع مدى الحرب على الأرهاب إثر خطاب "محور الشر" أدى بنا الى أن نضيّع الأوروبيين كثيرا، خصوصا بعد تزايد الحديث عن ضرب العراق، ثم قائمة الانسحابات من المعاهدات والصدام في شان محكمة الجنايات الدولية. أقول بعد هذا كله فإن العلاقات الأميركية – الأوروبية تدهورت بشكل ملموس وبالغ أكثر مما كانت قبل الحادي عشر من ايلول".

--- فاصل ---

كوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي للرئيس بوش، اعتبرت أن الهجمات الارهابية في الحادي عشر من ايلول فتحت فصلا جديدا في تاريخ العالم كما فعلت الحرب العالمية الثانية، وان على الولايات المتحدة أن تنتهز هذه الفرصة لأعادة بناء العالم كما فعلت في عام 1945.
لكن ماثيوز تجادل رأي رايس في ظل عدم الارتياح العالمي الى تنامي القوة الأميركية، وتقول إن الحادي عشر من أيلول والحرب على الارهاب لم تؤديا الى احياء الوضوح الاستراتيجي ووحدة الهدف اللتيم ميزتا عصر الحرب الباردة. وتعتقد ماثيوز أن آراء رايس تصح في حالة واحدة فقط إذا قررت الولايات المتحد العمل من جانب واحد على اذالة نظام صدام حسين وتعرضت الخطط الاميركية لاحفاق فظيع:
"السبيل الوحيد في نظري كي يصبح هذا تحولا يتمثل في ما اعتبره السينارية الأسوأ. وهو القرار بتنفيذ مبدأ الضربة الاستباقية ضد العراق وأن تسفر عن نهاية سيئة".

--- فاصل ---

سيداتي وسادتي..
نواصل بث برنامج "عالم متحول"، ونسلط في حلقة هذا الاسبوع الضوء على التحولات في العلاقات الاميركية مع العالم بعد الحادي عشر من ايلول العام الماضي.
العالم الأسلامي أكثر المناطق التي انعكست فيها رغبة بوش في تغيير شكل النظام العالمي. بعد الحادي عشر من أيلول مباشرة تعهدت واشنطن بعدم التورط في عمليات اعادة بناء الدول، لكن هذا هو تحديدا ما تفعله حاليا في أفغانستان بعد دحر حركة طالبان وتسلم المعارضة الحكم هناك.
وفي باكستان المجاورة انضم رئيسها برويز مشرف الى واشنطن في شن حملة على الجماعات الراديكالية المرتبطة بطالبان والقاعدة.
اما في ايران فان واشنطن اثارت مخاوفها عبر نشر قوات اميركية في افغانستان واسيا الوسطى والحديث عن شن حرب على العراق لتغيير نظام الرئيس صدام حسين. الخوف الرئيسي يتمثل في احتمال ان يأتي دور ايران بعد العراق. لكن التوتر بين طهران وواشنطن عزز مواقع التيار المتشدد في ايران على حسب الخطاب السياسي للتيار المعتدل. الرئيس محمد خاتمي حذر من أن طهران سترد إذا استخدمت واشنطن القوة ضدها:
"اذا حاولت الولايات المتحدة شيئا ضد ايران، لا سمح الله، فإننا مستعدون بقدراتنا الحالية ان نحمي استقلالنا ومصالحنا القومية، وأعتقد أن دولة ايران تتمتع في هذا الخصوص بتضامن كامل."

--- فاصل ---

المعلق الصحفي الأميركي البارز توماس فريدمان كتب أخيرا في صحيفة نيويورك تايمز، معلقا على التعامل مع العالم الاسلامي، كتب أن سياسة بوش الراهنة تقوم على معاقبة أعدائها بتهديدهم بالديموقراطية، بينما تكافئء أصدقاءها بالسكوت عن عملية إشاعة الديموقراطية، على حد تعبيره.
لكن حنى مع قبول واشنطن بشركاء مستبدين، فإن كثيرين في إدارة بوش يعتقدون أن جذور الارهاب يمكن اقتلاعها فقط بحض المجتمعات – خصوصا في الشرق الأوسط – على تبني قيم الديموقراطية والسوق الحرة كي تصبح هذه المجتمعات أكثر استقرارا.
مايكل روبن خبير في شؤون الشرق الأوسط وباحث في معهد انتبرايز الأميركي يعتقد أن الالتزام بتوسيع ما يسميه بعض مستشاري بوش بمنطقة السلام الديموقراطية في العالم هو القوة الدافعة وراء السياسة الخارجية لما بعد الحادي عشر من أيلول التي يتبناها البيت البيض:

"يبدو أكثر فأكثر أن عصر الواقعية السياسية انتهى، وأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة ستقوم أكثر على أساس سياسة الديموقراطية أولا".

على صلة

XS
SM
MD
LG