روابط للدخول

العلاقات الاميركية – التركية على خلفية الوضع العراقي والكردي


فيما تتنامى المعارضة الدولية لخطط الولايات المتحدة لشن حرب على العراق، تبدو الدبلوماسية الأميركية كأنها تركز على دول في المنطقة من شأنها أن تلعب دوراً أساسياً في أي عمل عسكري محتمل. ويلفت مراسل إذاعتنا (جيفري دونافان) إلى أن واشنطن تواجه تحدياً رئيسياً يتمثل في محاولة الحصول على دعم حليفتها تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، الدولة التي تواجه بدورها تحديات رئيسية تتمثل في مخاوف اساسية من أي تغيير في العراق. وهذا هو موضوع حلقة هذا الأسبوع من برنامج (عالم متحول) في العرض التالي الذي يستند إلى تقرير مفصل أعده (دونافان) الذي تحدث في سياقه إلى خبراء في الشؤون التركية والعراقية.

--- فاصل ---

مع تصاعد أصوات طبول الحرب ضد العراق، فإن الدبلوماسية الأميركية تكثف اتصالاتها مع تركيا. لكن المحللين يقولون إن هذه الدبلوماسية مجبرة على اتخاذ خطوات متوازنة في مسعى الى الحصول على هذا الدعم من جهة، وكسب ود الكرد العراقيين الذين يسيطرون على شمال العراق من جهة أخرى.
فأميركا تحتاج القواعد العسكرية التركية التي تستخدمها بالفعل لحماية كرد العراق وفرض منطقة الحظر الجوي على شماله. أميركا تحتاج أيضا دعم نحو 70 ألف مقاتل كردي من البيشمركة يمكنهم ان يلعبوا دورا قتاليا واستراتيجيا رئيسيا في اي هجوم أميركي محتمل.
المشكلة هنا تكمن في أن الأتراك يتخوفون من أن يصبح الكيان الكردي المستقل كأمر واقع منذ أكثر من عشر سنوات، أن يصبح معترفا به رسميا بعد إطاحة نظام الرئيس صدام حسين. وتشعر أنقرة بالقلق من أن يؤدي تطور كهذا الى إثارة طموح مماثل لدى كرد تركيا الذين يبلع عددهم نحو ثمانية عشر مليون نسمة.
أنقرة أعلنت بوضوح أنها ستعتبر مثل هذا التطور سببا لأشعال حرب. ويقول بلند علي رضا، مدير برنامج تركيا في مركز الدراسات الأستراتيجية والدولية في واشنطن إن الولايات المتحدة تواجه مأزقا دبلوماسيا رئيسيا في هذا الصدد:
"كلما زادت الوعود للكرد، قل تحمس الأتراك. وكلما أعطي الأتراك تطمينات متزايدة في شأن ما سيحدث بعد صدام، كلما أصبح أقل إحتمالا أن يساعد الكرد أميركا. لذا فإن الأمر يثير حيرة المخططين".

من جهتهم يعمل المخططون بجهد. ففي الأسبوع الماضي أجرى نائب وزير الخارجية التركي أوغر زيال محادثات في واشنطن تناولت إحتمالات الحرب وعواقبها على المنطقة. زيال التقى نائب الرئيس ديك تشيني، ووزيري الخارجية كولن باول والدفاع دونالد رمسفيلد. وسبقت زيارته لواشنطن زيارتان الى أنقرة قام بهما في آذار الماضي تشيني ونائب وزير الدفاع بول وولفويتز إحتل العراق فيهما الصدراة في جدول المحادثات.
زيال أدلى بالتصريح التالي في واشنطن:
"إن تفكك العراق، وهو إحتمال وارد في وجهة نظرنا، سيؤثر بشكل خطير على موازين القوة الراهنة في المنطقة ومن شأنه أن يخلق حالة من عدم الاستقرار لا يمكن أحدا التكهن بعواقبها. وبالنسبة الينا تحتل وحدة العراق أهمية قصوى".
زيال بدا كأنه ابقى الباب مفتوحا أمام دعم تركيا لحرب تقودها الولايات المتحدة. لكنه قال إن هذا الموقف مشروط بأن تبذل واشنطن جهدا أكبر من أجل إضفاء شرعية على الحملة عبر الحصول على دعم المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للامم المتحدة. وزاد أن العراق يحتاج الى أكثر من مجرد إزالة صدام لضمان الاستقرار والدوام في المنطقة، مضيفا أن الدولتين الجارتين والولايات المتحدة يجب أن تؤكد الاستعداد لالتزام طويل الأمد لمرحلة ما بعد الحرب.
يُشار الى أن وزير الخارجية التركي شكرو سينا غيوريل جدد الأحد الماضي خلال زيارته لأيران دعوة الى إيجاد حل سلمي لمشكلة العراق، قائلا إن أي تغيير يطاول الحكومة العراقية ينبغي أن يتم على يد الشعب العراقي نفسه.
محللون يعتقدون أن المفتاح في حملة واشنطن من أجل الحصول على دعم تركي وكردي للحرب يتمثل في قدرتها على إيجاد قاسم مشترك تعرضه على الأتراك والكرد العراقيين لعراق ما بعد الحرب.
لكن هذا الجهد الأميركي تعقده اعتبارات على الأرض. فالتوتر متواصل بين تركيا وأحد الفصيلين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديموقراطي الكردستاني. الجانبان شنا حربا كلامية ضد بعضهما بدأتها أنقره بعد اتهامها زعيم الحزب مسعود بارزاني يأنه يسعى الى اعلان دولة كردية مستقلة في شمال العراق، مشيرة الى مشروع الدستور العراقي الموقف الذي اعلنه الحزب ويدعو الى فيدرالية كردستان وعاصمتها كركوك ولها علمها وبرلمانها. وردت تركيا بتصريحات غاضبة، واعتبر محللون هذه التصريحات بمثابة تلويح باستخدام القوة ضد الكرد، خصوصا أن مسؤولين أتراك تحدثوا عما وصفوه بالحقوق التاريخية في الموصل وكركوك، مشيرين الى وجود التركمان فيهما وأنهم يشكلون ثالث أكبر قومية في العراق بعد العرب والكرد، مؤكدين عزم تركيا على حمايتهم. في المقابل أعلن زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني أن جماعته تحرص على حماية التركمان في شمال العراق.
لكن بلند علي رضا يقول إن طالباني أيضا اثار نرفزة أنقرة باعلانه في اجتماع للمعارضة العراقية في واشنطن الشهر الماضي أن القوات الاميركية يمكنها استخدام شمال الرعاق قاعدو لشن هجوم على بغداد. ويشير علي رضا الى أن تركيا ترى أن هذا الموقف يشكل تمهيدا للدولة الكردية:
"إنهم لا يريدون أن يسبق الكرد تركيا في ما يتعلق بخطط الحرب. وإذا إتجهت الولايات المتحدة الى إستخدام الأراضي الكردية فسيتعين عليها أن ترسل قواتها عبر مكان ما. وإذا لم ذلك عبر ايران وسوريا والسعودية، فمن الواضح إنها ستكون تركيا".

في غضون ذلك لوحظت بوادر الى رغبة بارزاني في تحسين العلاقات مع تركيا، بأن أوفد مبعوثه هوشيار زيباري الى أنقرة. زيباري صرح بعد محادثات مع مسؤولين أتراك بقوله إن حزبه غير راغب في توتير العلاقات مع أنقرة، مؤكدا سعي الحزب الى اعادة هذه العلاقات الى سابق عهدها. وفي مقابلة أجرتها اذاعتنا معه في واشنطن تحدث زيباري عن كركوك والموصل:
"نحن لا نقول إن الكرد وحدهم يعيشون في كركوك وإن لهم وحدهم الحق في كركوك. كلا. نقول إن كركوك مدينة عراقية وإن الكرد يعيشون فيها كما التركمان والعرب. ونقول أيضاً إن مصير كركوك يجب أن يحدد عبر مفاوضات وتسوية مشتركة يسهم فيها جميع الأطراف والجماعات".

--- فاصل ---

نواصل تقديم برنامج "عالم متحول"، وحلقة هذا الاسبوع مكرسة للعلاقات الاميركية – التركية على خلفية الوضع العراقي والكردي.
مارك بارس شغل منصب السفير الاميركي في أنقرة للأعوام من 1997 الى 2000. بارس قال لأذاعتنا أن تركيا لا تعارض من حيث المبدأ فكرة عراق فيدرالي، لكنه أوضح أن الامر يعتمد على التفاصيل. وقال إن أنقرة تريد الاطلاع على خطة والتزام واضحين من قبل جميع الأطراف المعنية بأن بغداد تبقى مسيطرة في اي فيدرالية عراقية. واضاف أن تركيا ستشعر بالقلق من محاولة الكرد السيطرة على المناطق الغنية بالنفط في شمال العراق. ويتفق علي رضا مع هذا التقويم:
"إذا حاول الكرد توسيع نطاق سيطرتهم في إتجاه مدينتي كركوك والموصل النفطيتين حيث يعيش إخوانهم التركمان، فإن تركيا ستقاتل وتتدخل عسكرياً لمنع حدوث ذلك".

لهذه وغيرها من الأسباب يعتقد مايكل روين، وهو خبير في معهد انتربرايز الأميركي أن الفديرالية هي الجواب لعراق ما بعد صدام، لكن ليس كما يريدها بارزاني:

"بعض الكرد، والأكثر في صفوف الحزب الديموقراطي الكردستاني، يتحدث عن فيدرالية ثلاثية تقوم على أساس دولة شيعية عربية وثانية سنية عربية وثالثة كردية. هذا لن يحدث، لأنه ليس مقبولاً من قبل بقية الأقليات العراقية. كذلك لا تقبله دول مجاورة مثل تركيا والسعودية والكويت".

ويتابع روبن أن العرب الشيعة والسنة ايضا لن يوافقوا على فيدرالية ثلاثية. وأعرب عن اعتقاده أن المخططين في واشنطن وغيرها منهمكون في العمل على وضع مبادىء عامة لعراق فيدرالي يقوم على أساس إداري، بدل الأساس الإثني. وبموجب خطة كهذه سيقسم العراق الى ثماني عشر محافظة تراعي حقوق الأقليات فيها، على حد تعبير روبن.
لكن في النهاية ستحتاج تركيا الى أكثر من مجرد تطمينات الى ما سيحدث في عراق ما بعد صدام. أنقرة تؤكد أن خسائر تركيا نتيجة للعقوبات المفروضة على العراق بلغت حتى الان ما بين 40 و80 مليار دولار. وفي هذا الصدد يقول علي رضا إن تركيا تتطلع الى أن تقدم الولايات المتحدة ما يضمن تعويض جزء من هذه الخسائر في مقابل التعاون مع واشنطن تجاه العراق. ويلاحظ علي رضا أن المحادثات الاميركية – التركية في هذا الشأن ستكون صعبة جدا جدا، على حد تعبيره.

على صلة

XS
SM
MD
LG