روابط للدخول

الملف الثاني: صفقة بقيمة أربعين مليار دولار بين العراق وروسيا


حول الصفقة البالغة 40 مليار دولار بين العراق وروسيا التقى (ميخائيل ألاندرينكو) بعدد من الخبراء الروس تناولوا الموضوع من زوايا عدة.

أعرب بعض المحللين الروس عن اعتقادهم في جدية نية العراق عقد صفقة مع روسيا قيمتها 40 مليار دولار. لكن البعض الآخر أشار إلى أن تصريح السفير العراقي عباس خلف في هذا الشأن ليس إلا لعبة سياسية ترمي إلى إقناع العالم بأن العراق يحظى بدعم دولي بينما تلقى الولايات المتحدة صعوبات بالغة في حشد تأييد لشن الحرب ضد بغداد.

اتصلنا عبر الهاتف بعدد من الخبراء الروس في مجال السياسة والاقتصاد لاستطلاع آرائهم في الاتفاقية الروسية العراقية البالغة قيمتُها 40 مليار دولار وإمكان تطبيقها دون مخالفة العقوبات الدولية المفروضة على بغداد. كما سألناهم عما قد يجلب هذا العقد للاقتصاد الروسي من فوائد وخسائر.

هذا أولا مدير مركز الأبحاث الإستراتيجية أندريه بيونتكوفسكي يردّ على سؤال عن مدى جدية تصريح السفير عباس خلف:
"قيمة الصفقة هي السبب الأول للتشكيك. إنه مبلغ خيالي. وربما كان ثمن قنبلة نووية روسية 40 مليار دولار في حال قررت روسيا بيعها إلى العراق. لكن عقود النفط والغاز والمواصلات لا تجلب هذه الأموال. العراق حاليا ينوي إحداث انشقاق في المجتمع الدولي، ولا يخفى على أحد وجودُ لوبي موالٍ للعراق في موسكو تقوده أسباب سياسية وتجارية. كما أن من الواضح أن روسيا تشهد صراعا سياسيا من أجل توقيع عقدٍ ما مع العراق، وهذا يمثل خطوة معادية للولايات المتحدة."

ومضى بيونتكوفسكي قائلا:
"من المستحيل أن توقع روسيا والعراق صفقة قيمتها 40 مليار دولار. إضافة إلى ذلك فإنني أشك في إمكانية عقد أي صفقة أخرى. فقد كانت هناك قضية مماثلة في الفترة الأخيرة عندما ظهر خبر يقول إن روسيا ستكمل بناء مفاعل نووي في بوشهر في إيران وتبدأ بناء خمسة مفاعلات أخرى. مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى زاروا موسكو، وجاء بعد ذلك ما يشبه نفيا جزئيا من الجانب الروسي مفاده أن الخبر كان يخص الإمكانيات التكنيكية فقط، أما القرار السياسي فلم يُتخذ بعد."

أما المحلل الأقدم في شركة "سينتر أينفيست سيكيوريتيز" للاستثمارات ألكساندر بلوخين فقد قال ردا على نفس السؤال، وهو جدية نوايا بغداد:
"دين العراق لروسيا بصفتها الوريثة القانونية للاتحاد السوفياتي السابق، يبلغ ستة مليارات دولار. ولا تستعجل بغداد الوفاء به قائلة إن العقوبات الدولية لا تسمح لها بالحصول على ما يكفي من أموال. لذلك فإن الاتفاقية المقترحة ليست إلا وعدا ولا يمكن تطبيقها في ظل نظام العقوبات القائم."

كما شكك نائب مدير قسم التحليلات في مجموعة "رينيسانس كابتال" ألكسي مويسييف في تصريح السفير:
"أعتقد أن تصريح السفير كان من باب الأمنيات إلى درجة معينة، ويبدو أن العراق يحاول تصوير موسكو كأنها دولة مؤيدة له من كل النواحي ويدفعها إلى عقد هذه الصفقة من أجل حفظ ماء الوجه. أما الحكومة الروسية فإنها كانت تتأنى في التوقيع على هذه الاتفاقية، مدركة أن مثل هذا الإعلان ليس محبذا من وجهة النظر السياسية في هذه الظروف، في ضوء العلاقات الجديدة بين روسيا والولايات المتحدة. وبما أن أول المعلومات عن هذه الصفقة ظهرت في صحيفة واشنطن بوست الأميركية فيمكننا الافتراض أن الولايات المتحدة حاولت استخدام هذه الوسيلة لمعرفة الجانب الذي تؤيده روسيا – العراق أو أميركا. أما العراق فإنه في طريق مسدود ولا يدعمه إلا روسيا. وإذا تمسكنا بالافتراض القائل إن هذا كله استفزاز فمن الواضح أن العراق يريد أن يُظهِر للعالم كله أن موسكو تدعمه بينما تجد الولايات المتحدة صعوبة في حشد تأييد لعملها المحتمل ضد بغداد."

وزاد مويسييف شكوكه في مصداقية إعلان السفير العراقي قائلا:
"يبدو أنه خبر مبالغ فيه. فالتعليقات التي صدرت عن الجانب الروسي أتت من موظفين في مكتب الحكومة وليس من سياسيين ذوي وزن. وأظن أنه لو أرادت روسيا إعلان تأييدها للعراق لكان على مسؤولٍ مثل وزير الخارجية على أقل تقدير أن يدلي بتصريح بهذا الصدد. لكن التصريحات الروسية صدرت من المكاتب الصحفية، مما قلل من أهمية هذا الحادث."

وفي معرض رده على سؤال عن جوهر الإعلان العراقي وجديته، قال مدير قسم التحليلات في شركة "آتون" للاستثمارات ستيفين داشيفسكي:
"يمكن القول إن الاقتراح العراقي جدي وغير جدي في آن. فمن المعروف أن عددا كبيرا من الشركات الروسية لها مصالح تجارية في العراق. لكن على روسيا أن تراعي قرارات الأمم المتحدة بما فيها نظام العقوبات الاقتصادية. لذلك من الأحرى أن نعتبر هذه الاتفاقية مذكرة تفاهم تحدد أطر التعاون الروسي العراقي في حال تطبيع العلاقات بين العراق والمجتمع الدولي. لكن الـ 40 مليار دولار ليست هي الأموال التي ستحصل عليه روسيا بموجب هذه الاتفاقية. هذا المبلغ يضم أيضا استثمارات من شركات روسية في العراق."

وردا على سؤال عن سبب إعلان هذا الاقتراح في هذا الوقت بالذات قال بيونتكوفسكي من مركز الأبحاث الإستراتيجية:
"العراق يواجه خطر نشوب حرب أميركية، وتسعى بغداد إلى إيجاد كافة السبل بما فيها الدبلوماسية لتفاديها. لكن الإشارات من موسكو لا تبعث على الأمل بالنسبة الى العراق بقدر ما تفعل ذلك الإشارات الأخيرة الآتية من بعض الأعضاء القياديين للحزب الجمهوري الأميركي الذين أعربوا عن تحفظات للحرب ضد العراق. وعلى الرئيس جورج بوش أن يفكر مليا في عقلانية شن عمل عسكري ضد بغداد. ومن اللافت أن حلفاء أميركا في أوروبا والعالم العربي لا يؤيدونها أيضا."

أما بلوخين من شركة "سينتر أينفيست سيكيوريتيز" للاستثمارات فقد قال بهذا الصدد:
"في الوقت الذي تهدد فيه الولايات المتحدة بتوجيه ضربة إلى بغداد، يحتاج الرئيس العراقي صدام حسين إلى حلفاء نافذين من شأنهم ردع هذه الضربة. لذلك ظهرت فكرة عقد الاتفاقية مع روسيا التي لها نفوذ في مجلس الأمن."

وقال ستيفين داشيفسكي شركة "آتون" للاستثمارات إنه لا يعرف أسباب توقيت الإعلان لكنه افترض ما يلي:
"من الصعب القول لماذا جاء الإعلان هذا الوقت. أنا لا أستبعد أن يكون هذا كلاما مبطنا من الجانب العراقي من أجل تسجيل النقاط أمام الرأي العام العالمي والحصول على التزامات اقتصادية من روسيا. موسكو حليفة في الحملة المضادة للإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة وتأخذ أميركا رأي موسكو في الاعتبار، حسبما يعتقد العراق كما يبدو لي."

وردا على سؤال عما إذا كانت الصفقة تتنافى والعقوبات الدولية، قال محلل شركة "سينتر أينفيست سيكيوريتيز" ألكساندر بلوخين:
"ليست هذه الاتفاقية مخالفة للعقوبات لأن التوقيع شيء والتنفيذ شيء آخر. وأظن أن شركات النفط الروسية لن تقدم على هذه الخطوة طالما أن نظام العقوبات ظل باقيا."

وأدلى داشيفسكي شركة من "آتون برأي مماثل حيث قال:
"هذه الاتفاقية ليست مخالفة لنظام العقوبات. من المعروف أن الكثير من الدول يتعاون مع العراق في إطار هذه العقوبات."

ألكسي مويسييف من مجموعة "رينيسانس كابتال" انتقد من ناحيته السياسة الروسية بهذا الصدد واصفا إياها بأنها غير متماسكة:
"يدل هذا كله على عدم تماسك السياسة الروسية التي ترمي إلى التقارب مع الغرب من جهة وتحاول الحفاظ على العلاقات مع دول أمثال العراق. وفي الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة أنّ "من ليس معنا فهو ضدنا"، فقد ظهر هذا الوضع الحرج."

بيونتكوفسكي وهو مدير مدير مركز الأبحاث الإستراتيجية، أشار من جهته إلى أن بعض العناصر القيادية في روسيا يدعو إلى ممارسة سياسة تضر بالولايات المتحدة إذ يعتقد أن هذا ينفع روسيا:
"يظن جزء من الطبقة السياسية الروسية معادٍ لسياسة الرئيس فلاديمير بوتين الرامية إلى التقارب مع الغرب، يظن أن التعاون مع العراق مربح سياسيا واقتصاديا. هؤلاء الساسة يعتقدون أن ما يضر بالولايات المتحدة ينفع روسيا. لكن إذا اعتبرت روسيا أن التحالف مع الغرب ضروري لمصالحها الطويلة المدى فإن ترضية الأنظمة المارقة أمر غير مربح."

لكن بلوخين المحلل الأقدم في شركة "سينتر أينفيست سيكيوريتيز" للاستثمارات، اعتبر أن التعاون الروسي العراقي في مجال الطاقة يجلب فوائد لشركات النفط الروسية. إلا أنه أعرب عن شكه في تنفيذ اتفاقية الـ 40 مليار دولار:
"كبريات شركات النفط الروسية من أمثال لوكويل، روسنفط، تاتنفط، لها اتفاقيات مع العراق حول تطوير بعض الحقول النفطية. هذا شيء مربح جدا، لكن الشركات الروسية تمتنع حتى الآن عن استخراج النفط من هناك لأن العقوبات الدولية لا تسمح بذلك. وأظن أنه حتى إذا تم توقيع هذه الاتفاقية الكبيرة فإنها ستبقى حبرا على ورق على غرار الكثير من الاتفاقيات السابقة التي وقعتها شركات النفط الروسية مع العراق."

ورأى مويسييف نائب مدير قسم التحليلات في مجموعة "رينيسانس كابتال" أن موسكو تستفيد من العلاقات الروسية العراقية في مجال استخراج النفط مع النظام الحالي لكنه أبدى حذره من إمكانية أن تفقد روسيا امتيازاتها في حال تغيير النظام في بغداد:
"إذا وقع الجانبان على هذه الصفقة لكان هذا الأمر مربحا بالنسبة لروسيا. لكن بالطبع لا يدور الحديث عن 40 مليار دولار. إلا أنه في حال تغيير الحكم في العراق الذي تسعى إليه الإدارة الأميركية فليس من الواضح إذا كان النظام الجديد سيفي بالعقود التي عقدها النظام الحالي."

وقال بيونتكوفسكي من مركز الأبحاث الإستراتيجية إن كل ذلك لعبة سياسية مضيفا وأن روسيا والولايات المتحدة تناقش مستقبل العراق في فترة ما بعد انتهاء حكم صدام:
"يمارس الجميع ألعابا سياسيا. العراق يريد تأييدا سياسيا من موسكو، موسكو ربما تحاول رفع ثمن هذا التأييد وتظهر للولايات المتحدة أنها تملك هذه الآفاق الاقتصادية. لكنني لا أعتقد أن يؤدي هذا إلى صفقات كبيرة وجدّيّة. ذلك أن روسيا والولايات المتحدة لمدة طويلة تجريان حوارا رسميا وغير رسمي عن المصالح الروسية في العراق بعد رحيل صدام. هذه المباحثات قد تتطرق إلى مسألة الدين العراقي لروسيا أيضا. ويبدو لي أن معاملة صدام حسين لروسيا ليست إلا ابتزازا حيث يقطع لها وعودا، ويحاول الحصول على دعم من موسكو."

--- فاصل ---

كما اتصلنا بمصدر نفطي غير حكومي في موسكو طلب عدم الكشف عن اسمه، قال إن اتفاقية الـ 40 مليار دولار لا تقتصر على النفط بل تضم كذلك الطاقة الكهربائية والهندسة والبناء. وليس من الواضح ما هي حصة الأموال تأتي من النفط. المصدر أعاد إلى الأذهان أن عددا كبيرا من شركات النفط الروسية تعمل في العراق في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء. لكن هذه الشركات لن تطور حقولا جديدة إلى أن تُرفع العقوبات المفروضة على بغداد، على حد قوله. وأشار المسؤول إلى أن شركة لوكويل تنهمك في مشروع حول تطوير غرب القرنة لكنها لا تستطيع الإسراع في العمل على هذا المشروع بسبب العقوبات. وإذا احتوت هذه الاتفاقية المزعومة أشكالا من التعاون في مجال النفط فلا يمكن مباشرته قبل رفع العقوبات. كما رأى المصدر النفطي في موسكو أنه إذا تغير النظام في العراق فقد يؤدي هذا إلى أن تفقد روسيا عقودها المربحة. وأضاف أن الحكومة الروسية – حسب رأيه - تأمل في العمل على هذه المشاريع مع النظام الحالي.

على صلة

XS
SM
MD
LG