روابط للدخول

ما يراه صدام حسين في نفسه ولا يراه أحد سواه في العالم - الحلقة الثانية


كنا قدمنا لكم، مستمعينا الكرام، في حلقة الأسبوع الماضي من برنامج (العراق في دور الفكر والنشر) مراجعة للجزء الأول من مقال طويل للكاتب Mark Bowden بعنوان (روايات عن الطاغية) نشرته أخيرا الشهرية الأميركية The Atlantic Monthly، يسعى فيه إلى استخدام التفاصيل الخصوصية المتعلقة بحياة الرئيس العراقي اليومية للإجابة على السؤال: ما الذي يراه صدام حسين في نفسه مما لا يراه أحد سواه في العالم؟ وإليكم فيما يلي، مستمعينا الكرام، مراجعة للجزء الثاني والأخير من هذا المقال.

ينتقل Bowden في الجزء الثاني من مقاله إلى قرار صدام حسين بغزو الكويت في آب 1990 ويصف هذا القرار بأنه افدح الأخطاء العسكرية في التاريخ الحديث، ففي غمرة بهجته نتيجة ما اعتبره نصراً على إيران، بادر صدام حسين إلى البحث عن مبادرات ومغامرات أخرى.
فلقد أعلن مثلاً عن قراره بناء شبكة لقطارات الأنفاق في بغداد تكلف عدة مليارات من الدولارات، ثم أعلن أيضا انه ينوي بناء شبكة حديثة لسكك الحديد تربط كافة أجزاء العراق.
ولكنه لم يباشر في تنفيذ أي من المشروعين بسبب افتقاره إلى التمويل الكافي.
أما ما كان يملكه فعلاً فهو جيش مؤلف من مليون مقاتل عاطل عن أي عمل مجدي، أي ما يكفي لاجتياح الكويت المجاورة بكل ما تمتلكه من احتياطات نفطية هائلة.
ولقد ارتكب خطأً جسيماً حين تصور أن العالم لن يهتم بالأمر، فلم يمض على الاجتياح سوى ثلاثة أيام حين أعلن الرئيس الأمريكي آن ذاك جورج بوش الأب: إن هذا الوضع لن يبقى قائماً، ثم باشر على الفور بتجميع أكبر قوة عسكرية تشهدها المنطقة طوال تاريخها.
وكان واضحاً للجميع أن الجيش العراقي لن يكون في وسعه مقاومة مثل هذه القوة. أما صدام حسين فلم يقتنع بهذه الحقيقة.
وبغية الإطلاع على حقيقة قناعة الرئيس العراقي في تلك المرحلة، اتصلنا باللواء الركن وفيق السامرائي أ المدير السابق للاستخبارات العسكرية العراقية، فوافانا بالملاحظات التالية:

(السامرائي 1)

--- فاصل ---

ينتقل الكاتب إلى الحديث عن اللواء الركن وفيق السامرائي _ المدير السابق لاستخبارات صدام حسين العسكرية _ ويقول إن السامرائي وجد نفسه في وضع متميز في صعوبته، إذ كيف يمكن لرئيس استخبارات الطاغية أن يؤدي عمله مع شخص لا يرغب في سماع الحقيقة؟ ويضيف: فلو صارحته بالحقيقة وتنافت هذه الحقيقة مع قناعته بأنه معصوم من الخطأ، لوضعت نفسك في ورطة. أما إذا أقتصر ما تقوله على ما يريد الطاغية سماعه، فإن الزمن سيكشف أكاذيبك لا محال، الأمر الذي سيضعك في الورطة ذاتها.
ويصف الكاتب وفيق السامرائي بأنه ضابط عسكري محترف، ساهم في تقديم النصح إلى صدام حسين طوال الحرب الطويلة مع إيران، حين تمكن الرئيس العراقي من تكوين فهم شبه متطور للمصطلحات العسكرية وأنواع الأسلحة، والتخطيطين الإستراتيجي والتكتيكي.
ولكن بصيرة صدام كان يعكرها _ بحسب المقال - ميله الشديد نحو التمنيات في تفكيره، الأمر الذي أدى عبر التاريخ إلى سقوط عدد كبير من القادة العسكريين الهواة، إذ كان يعتقد أن في مقدوره جعل الأمور تحدث لمجرد تعبيره عن رغبته في ذلك.
ويضيف الكاتب أن السامرائي دأب على تزويد الرئيس العراقي بسيل متواصل من التقارير الاستخبارية في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تجمع مع حلفائها جيشاً مكوناً من مليون مقاتل في الكويت، تعززه قوة جوية تفوق في فعاليتها أي دفاع عراقي محتمل، وتسانده معدات - من مدفعية وصواريخ ودبابات وعربات مصفحة – تتقدم في تطورها على ما كان يمتلكه العراق بعدة عقود من الزمن.
ويؤكد الكاتب أن الأميركيين لم يحاولوا إخفاء هذه الأسلحة المتطورة، بل كانوا يرغبون في إطلاع صدام حسين على القوة الجبارة المعدة له.

--- فاصل ---

ولكن الرئيس العراقي رفض التراجع، إذ كانت لديه خطة شرحها للسامرائي وغيره من كبار الضباط حين التقاهم في البصرة قبل الهجوم الأمريكي بعدة أسابيع، وكانت تستند إلى أسر جنود أميركيين وربطهم كدروع بشرية بالدبابات العراقية، مؤكداً أن الأميركيين لن يطلقوا النار على جنودهم.
ثم عقد العزم على اسر آلاف من قوات العدو لهذه الغاية فور بدء المعركة، وأكد أن جيشه سيدخل بالتالي إلى شرق السعودية ويجبر الحلفاء على التنازل.
وكان السامرائي - بحسب المقال - واثقا من أن هذه الخطة لا تتجاوز مستوى الخيال، إذ كيف كانت القوات العراقية ستتمكن من أسر آلاف الجنود الأميركيين، بينما لم يكن أحد يستطيع الاقتراب من مواقعهم دون اكتشافه وقتله؟
وحتى إن كان في الإمكان تحقيق هذه الخطة فإن فكرة استخدام الجنود كدروع بشرية فكرة مشينة تخالف جميع القوانين والاتفاقات الدولية.
ولكن الجنرالات - بمن فيهم السامرائي - لم تصدر منهم كلمة واحدة، بل اكتفوا بطأطأة رؤوسهم وبتدوين الملاحظات، إذ كان أي تساؤل في شأن هذه الإستراتيجية العظيمة سيعتبر بمثابة الاعتراف بالشك والتخاذل والجبن.
أما السامرائي - باعتباره رئيسا للاستخبارات العسكرية – فلقد شعر بضرورة اطلاع صدام على الحقيقة، فتوجه بعد ظهر الرابع عشر من كانون الثاني إلى القصر الجمهوري للقاء الرئيس العراقي في مكتبه، حيث استعان بالجرأة في عرض تقييمه المتشائم.
وحول بعض تفاصيل هذا اللقاء وافانا اللواء السامرائي بالتفاصيل التالية:

(السامرائي 2)

--- فاصل ---

ويروي الكاتب أن هذا التقييم تضمن الصعوبة البالغة في الوقوف في وجه الهجوم المقبل، في غياب دفاعات قادرة على التصدي لأعداد وأنواع الأسلحة المواجهة للقوات العراقية الموزعة على مساحات واسعة من الصحراء بدرجة تحول دون تمكنها من منع الأميركيين من التقدم نحو بغداد مباشرة.
وعرض السامرائي أدلة مفصلة تعزز تقيمه، من صور وأرقام وتقارير صحفية.
وأكد السامرائي لرئيسه أن العراقيين لم يبق أمامهم سوى أن يواجهوا هزيمة سريعة وحتمية.
وسألنا اللواء السامرائي عما يتوقعه من نصح قد يقدمه المقربون للرئيس العراقي إليه في مرحلة المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة، فأجابنا بقوله:

(السامرائي 3)

على صلة

XS
SM
MD
LG