روابط للدخول

ما يراه صدام حسين في نفسه ولا يراه أحد سواه في العالم - الحلقة الأولى


لا بد للطاغية من أن يسرق الوقت لينام ويغير مكان نومه وأوقاته. فهو لا ينام أبدا في قصوره، بل يتنقل سرا من سرير إلى سرير، إذ ليس في وسعه أن يتمتع لا بحرية النوم أو بالروتين الثابت في حياته. فمن الخطر عليه أن تكون تحركاته واضحة، وكلما أغمض عينيه ارتخت قبضته الحديدية على مسار بلاده، فتلك هي الساعات التي لا بد له خلالها من أن يثق بأحد ما، وما من شيء أخطر على حياة الطاغية من أن يثق بأحد. بهذه العبارات يبدأ الكاتب Mark Bowden مقالا طويلا بعنوان (روايات عن الطاغية) نشرته أخيرا الشهرية الأميركية The Atlantic Monthly، يسعى فيه إلى استخدام التفاصيل الخصوصية المتعلقة بحياة الرئيس العراقي اليومية للإجابة على السؤال: ما الذي يراه صدام حسين في نفسه مما لا يراه أحد سواه في العالم؟ وسنقدم لكم، مستمعينا الكرام، مراجعة لهذا المقال في حلقتين متتاليتين من برنامج (العراق في دور الفكر والنشر)، ونقدم اليوم الحلقة الأولى.

يقول الكاتب إن صدام حسين – الذي يحمل ألقابا ويشغل مناصبا لم يتمتع بها زعيم عراقي من قبله – يستيقظ في الثالثة صباحا بعد خلوده إلى النوم لفترة لا تتجاوز أربع أو خمس ساعات. ولدى استيقاظه يتوجه مباشرة إلى ممارسة رياضة السباحة، فالماء يعتبر رمزا للرخاء والسلطة في بلد صحراوي مثل العراق، ويستخدمه صدام في كل مكان – في النافورات والبرك والجداول والشلالات الداخلية. ويضيف الكاتب أن العناية المتناهية تحيط بجميع المسابح التي يستخدمها.

--- فاصل ---

ويمضي الكاتب في مقاله إلى أن الرئيس العراقي مصاب بآلام الظهر الناجمة عن انزلاق غضروفي في عموده الفقري، وأن ممارسة السباحة تساعده على تخفيف الألم وتساهم أيضا في احتفاظه بلياقته البدنية، ويقول إن صدام بلغ الخامسة والستين من عمره في وقت يسعى فيه جاهدا إلى إخفاء معالم سنه، وذلك لأن السلطة التي يمتلكها تستند إلى الخوف منه وليس إلى المحبة له. ويتابع الكاتب أن الطاغية لا يجوز له أن يبدو منحنيا أو ضعيفا أو أشيبا، ويضيف أن الموت عدو لا يستطيع صدام قهره، إلا أنه يعمل جاهدا على تأجيل قدومه، وعلى إخفاء معالمه، فهو يستخدم الصبغة السوداء لتغطية شعره الأشيب، ويمتنع عن استخدام نظاراته الطبية أمام الناس إذ يلجأ معاونوه إلى طبع خطاباته بأحرف بالغة الكبر تمكنه من قراءتها بالعين المجردة. ولكن الآلام في ظهره تجبره على ان يعرج قليلا، الأمر الذي يجعله يتحاشى الظهور – حتى في اللقطات المصورة – وهو يسير أكثر من بضع خطوات.

--- فاصل ---

ويروي الكاتب أن الطعام الطازج يرسل إلى الرئيس العراقي بالطائرة مرتين في الأسبوع، وهو يتكون من الأحياء البحرية والأسماك واللحوم الخالية من الشحوم، ومختلف منتجات الألبان، وأن جميع هذه الشحنات تعرض أولا على علماء نوويين يقومون بفحصها بواسطة الأشعة السينية بغية التأكد من خلوها من السموم أو الأشعة الضارة. أما وجبات طعامه فيقوم بتحضيرها طباخون مدربون في أوروبا، يعملون تحت إشراف حرس الحماية الخاصة بصدام. ويؤكد الكاتب أن كل واحد من قصوره – التي يزيد عددها عن عشرين قصرا – مجهز بطاقم كامل من الخدم، وأن كل واحد من هذه القصور مكلف بإعداد ثلاثة وجبات طعام يوميا، وهو إجراء يهدف إلى التمويه بأن الرئيس العراقي ربما يكون موجودا في أي من قصوره.
ويمضي Bowden في مقاله إلى أن صدام حسين مهتم بجميع تفاصيل دولته، ولا يتردد في إحضار أي من وزرائه أو مدراء الدوار ليأمره بشرح تفاصيل هذا التقرير أو ذاك، ويضيف أن صدام يدير هذه اللقاءات بكل أدب وهدوء وأنه نادرا ما يرفع صوته خلالها. كما يتلذذ بالتباهي بمعرفته الشاملة حول كل ما يخص البلاد، ابتداء بضرورة الزرع المتناوب للمحاصيل وانتهاء بنظريات الانشطار النووي. وهو مولع أيضا بالقيام بزيارات شبه مفاجئة إلى أحد المكاتب أو المختبرات أو المصانع، حيث يطلعه المسؤولون على معلومات كاذبة أو مظللة، وذلك نتيجة رغبتهم في إسماعه ما يريد سماعه، كل حسب اجتهاده.

ويروي الكاتب أن صدام حسين مولع بمتابعة مختلف المحطات التلفزيونية، فهو يراقب المحطات التي يسيطر عليها، إضافة إلى CNN وSKY وقناة الجزيرة وقناة هيئة الإذاعة البريطانية.
كما يحب مشاهدة الأفلام الروائية، خصوصا تلك التي تتناول مواضيع الدسيسة والاغتيال والتآمر. ولكونه لم يسافر كثيرا – بحسب المقال – فإن هذه الأفلام تنمي انطباعاته عن العالم وتغذي ميله إلى الإيمان بمختلف نظريات التآمر الواسعة،فهو يعتبر العالم لغزا لا يقبل ظاهر حاله سوى الأغبياء.

--- فاصل ---

وينتقل الكاتب في مقاله إلى ما يسميها المسرحية التي تربع صدام حسين من خلالها على كرسي السلطة في العراق، ويقول إنه دعا – في الثامن عشر من تموز 1979 – جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة ومئات آخرين من قادة الحزب الحاكم إلى إحدى قاعات المؤتمرات في بغداد، حيث تقدم بكامل زيه العسكري إلى المنصة وهو يلوح بسيجار كبير، وأعلن عن اكتشاف حالة من الخيانة متمثلة في مؤامرة دبرتها سورية، وأن هناك العديد من الخونة بين صفوف الحاضرين. ثم جلس صدام حسين – بحسب المقال – ليفسح المجال لأمين عام مجلس قيادة الثورة – محي عبد الحسين مشهدي الذي ظهر فجأة من وراء إحدى الستائر – ليعترف بتورطه في المؤامرة، وبدأ بتسمية أسماء بقية المتآمرين من بين الحاضرين، الأمر الذي أدى إلى القبض على واحد تلو الآخر منهم من قبل الحراس المسلحين، واقتيادهم إلى خارج القاعة. ويروي المقال أن صدام – بعد إبعاد الخونة الستين من المكان – صعد ثانية إلى المنصة وهو يردد أسماء من خانوه ويمسح الدموع من عينيه. ويعتبر الكاتب أن ما أسماه هذا الأداء الدرامي البارع حقق تماما الغاية المنشودة منه، إذ أسفر عن تفهم كل واحد من الحاضرين المتبقين طبيعة سير الأمور في العراق اعتبارا من ذلك اليوم، ولم يبق لديهم يقين سوى أن رجلا واحدا بات منذ تلك اللحظة يتحكم بمصير أمتهم بأكملها.

--- فاصل ---

ومن أجل الاطلاع على تفاصيل هذا الاجتماع المصيري في تاريخ النظام العراقي، اتصلنا بالكاتب السياسي العراقي المعارض المقيم في بريطانيا، عبد الحليم الرهيمي، فوافانا بالانطباعات التالية:

(مقابلة - الرهيمي)

على صلة

XS
SM
MD
LG