روابط للدخول

عرض لدراسة تقيّم مجمل قدرات العراق العسكرية - الجزء الثاني


الخبير Anthony Cordesman – الذي يشغل كرسي الدراسات الإستراتيجية في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية – أعد أخيرا دراسة يقيّم فيها مجمل قدرات العراق العسكرية، يقول فيها إن صعوبات عديدة تكتنف أي محاولة للتوصل إلى تقييم حقيقي لهذه القدرات. ويوضح أن الغموض والعناصر غير الملموسة في إجراء مثل هذا التقييم لا تقل في أهميتها عن البيانات الفعلية المتعلقة بحجم القوات العراقية وأساليب قتال التي تتبعها هذه القوات. كما يوضح بأن جهود العراق المتواصلة في تطوير أسلحة دمار شامل وما يحملها من منظومات إيصال متطورة تزيد من حالة الغموض في إجراء التقييم وفي التكهن حول ردود الفعل العراقية المحتملة إزاء مختلف المؤثرات. غير أن الخبير يؤكد أيضا وجود معلومات كثيرة عن قدرات العراق العسكرية وردود فعله المحتملة، ويضيف أنه يمكن التوصل إلى تقديرات شبه دقيقة عن إمكانيات العراق في مواجهة معظم السيناريوهات المحتملة وعن صلابة موقف العراق أو ضعفه في معظم هذه الحالات. وسنقدم لكم، مستمعينا الكرام، مراجعة لأهم ما تضمنته الدراسة في أربع حلقات متتالية من برنامج (العراق في دور الفكر والنشر) بدءا من حلقة الأسبوع الماضي، وإليكم فيما يلي مراجعة للجزء الثاني من الدراسة الذي يتناول الحالات الطارئة التي قد يواجهها العراق، إضافة إلى العناصر الغامضة وغير الملموسة المؤثرة في إجراء التقييم.

--- فاصل ---

يقول Cordesman إن المعارك والحروب نادرا ما تحسمها العوامل الملموسة، مثل حجم القوات وعدد المعدات وغيرهما من معايير الفعالية، إذ شهدت الحروب في عالمنا الواقعي – مرة تلو الأخرى – أن النتائج تحددها عناصر غير ملموسة، خصوصا حين اختلف الخبراء حول القدرات النسبية لكلا الطرفين في هذه الحرب أو تلك. فمن السهل – على سبيل المثال – التأكد من أن وحدات العراق القتالية الرئيسية ستقاتل بولاء وعزيمة نتيجة تمتعها بامتيازات واعتمادها في ذلك على بقاء النظام، ولأسباب وطنية. كما من السهل في المقابل التأكيد على أنها ستنهار أو تغير ولاءها لدى شعورها بانهيار النظام، نتيجة طغيانه وافتقاره إلى الشعبية.
ولكن أداء العراق العملي في حروب ماضية يؤكد أيضا – بحسب الدراسة – أن جوانب عديدة من تصرفات العراق العسكرية لا يمكن التكهن حولها، إلا بعد بدء القتال الفعلي. ويقدم الباحث قائمة مفصلة للعناصر التي يصفها بالغامضة وغير الملموسة في قدرات العراق القتالية.

--- فاصل ---

وتشمل هذه العناصر – استنادا إلى Cordesman:
1 – مدى حقيقة الشعبية التي يتمتع بها النظام لدى مختلف صنوف القوات المسلحة، وخصوصا في قيادات العمليات العسكرية.
2 – التأثير الحقيقي والواقعي للقمع والطغيان، في مقابل الحوافز والروح الوطنية والدعاية، في تحديد التأييد الشعبي للنظام من جهة أو لمعارضة نشطة من جهة أخرى.
3 – مدى استعداد الكرد إما على الاشتراك في النزاع، أو على التزام الحياد.
4 – مدى تأثير الرشاوى والحوافز في شراء الولاء.
5 – مدى تأثر كل وحدة قتالية بما يزيد عن عشر سنوات من الحرمان من أسلحة جديدة.
6 – مدى التأكد من إمكانية تغذية الوحدات بالذخيرة وقطع الغيار.
7 – مستوى التدريب في مختلف الصنوف والوحدات ومدى خبرة قياداتها.
8 – الاعتماد على نظام لوجستي لا يتسم بالمرونة، بل يستند إلى إرسال كميات كبيرة من المؤن إلى الوحدات المتقدمة بغض النظر عن احتياجاتها الآنية، ودون الاستجابة إلى الوضع التكتيكي أو إلى احتياجات القادة الميدانيين.
9 – قدرة القوات العراقية الفعلية على خوض حرب المدن، وعلى تنفيذ العمليات العسكرية في المناطق السكنية وما يترتب على ذلك من احتماء في مناطق آهلة بالسكان ومن اللجوء إلى استخدام الدروع البشرية.
10 – مدى التقدم الحاصل في تنفيذ العمليات الجوية والقتال الجوي، من خلال الاعتماد على قوات قادرة على تنفيذ عمليات فردية ومستقلة.
11 – القدرة على الاستخدام الفعال للحواجز المائية والأرضية، والقدرة على الربط بين الهندسة القتالية والمناورات العسكرية في ضوء التفوق الجوي الأميركي.
12 – القدرة على النشر والتركيز الفعالين لوحدات الدفاع الجوي في مجال التحركات التكتيكية، وعدم الاعتماد كليا على منظومات صواريخ أرض / جو الثابتة.
ولقد عرضنا بعض هذه العوامل المؤثرة بدرجات متفاوتة على قدرات القوات المسلحة العراقية، على الخبير البريطاني من أصل مصري (عادل درويش) وطلبنا منه التعليق عليها، فوافانا بالتعليق التالي:

(عادل درويش - تعليق 1)

--- فاصل ---

ومن السهل – استنادا إلى دراسة Cordesman – التوصل إلى تقييم لقدرات العراق في أي من هذه المجالات، فالحقيقة هي أن السلوك العسكري للقوات العراقية منذ 1991 لا يوحي بأن العراق سيحقق مفاجآت كبيرة في تحديث أساليب عملياته العسكرية، رغم أن الكفاءة في هذا المجال كثيرا ما تقاس بالمعايير الجزئية أو النسبية.
وتؤكد الدراسة أن مجموعة أخرى من العناصر المتسمة بالغموض تحول دون تحديد الحالات الطارئة التي قد يواجهها العراق في قائمة قصيرة من الحالات البسيطة. وتشير أيضا إلى رغبة المخططين الأميركيين في النظر إلى قضية العراق فقط من خلال الجهود الأميركية الهادفة إلى إطاحة النظام العراقي. ويضيف الباحث أن عشر حالات طارئة تتميز في احتمال حدوثها بدرجة تستحق معها الذكر والتأمل، وهي:
1 – يستمر العراق في مواجهة حالة الاحتواء بمعزل عن عمليات تفتيش فعالة، الأمر الذي سيحول المعركة إلى حرب عقوبات ودعاية وتوجهات.
2 – يستمر العراق في مواجهة الاحتواء مع وجود نظام تفتيش فعال، وفي هذه الحالة ستبقى معركة العقوبات والدعاية والتوجهات، ولكنها ربما ستتطلب – بالإضافة إلى ذلك – بعض الإجراءات العسكرية المحددة لمعالجة مساعي العراق المستميتة في مجال التسلح.
3 – حدوث تصعيد مفاجئ في الحرب الجوية المحدودة القائمة في منطقتي حظر الطيران – ربما نتيجة إسقاط طائرة أميركية أو بريطانية – الأمر الذي سيؤدي إلى رد أميركي / بريطاني.
4 – يزداد العراق ثقة بنفسه مع مرور الزمن، ويقتنع بالتالي بأن في وسعه استغلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية والحرب ضد الإرهاب، ليشن عملية ثانية تستهدف احتلال الكويت.
5 – أحداث غير متوقعة تقحم العراق في مواجهة جديدة مع الكرد في الشمال أو مع الشيعة في الجنوب.
6 – أحداث غير متوقعة تقحم العراق في حرب جديدة مع إيران.
7 – يلجأ العراق إلى المجازفة في شن هجوم يائس على الكويت.
8 – يهدد العراق أو يباشر فعلا في تنفيذ هجمات جوية وصاروخية يستخدم فيها أسلحة كيماوية أو بيولوجية أو شعائية أو نووية.
9 – تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج وتركيا وإسرائيل عراقا منهارا، يسعى إلى ضرب مراكز سكانية وغيرها من الأهداف الحيوية، انتقاما لهزيمته وللانهيار الوشيك لنظام صدام حسين.
10 – ينفذ العراق هجمات رئيسية ضد الولايات المتحدة أو بريطانيا أو إسرائيل أو دولة خليجية، مستعينا بالعمليات السرية أو بإحدى المنظمات الإرهابية أو المتطرفة.
أما عادل درويش فعبر لنا عن رأيه في بعض هذه السيناريوهات المحتملة بقوله:

(عادل درويش - تعليق 2)

--- فاصل ---

وينبه Cordesman إلى أن هذه القائمة تتأثر مفرداتها بالمتغيرات الزمنية، إذ سيطرأ على هذه السيناريوهات تغييرات في طبيعتها وفي سبل خوض الحروب الناتجة عنها، وذلك في حال تمكن العراق من التخلص من العقوبات ومن إعادة تكوين ترسانته العسكرية. ويرتئي الباحث تبلور هذه التغييرات في حال تمكن العراق من تحقيق قدرة حقيقية ومتطورة على ضرب أهدافه بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية والشعائية والنووية، أو في حال حدوث ما يحد من إمكانيات الولايات المتحدة العملياتية في الخليج، أو في حال حدوث تغييرات إستراتيجية في الدول الرئيسية المحيطة بالعراق.
وتؤكد الدراسة أن عددا قليلا من هذه السيناريوهات يتضمن إحداث تغيير أساسي في النظام العراقي أو في سلوك العراق في المستقبل، كما يوضح Cordesman أن معظم السيناريوهات المذكورة ستؤدي بطبيعتها إلى مزيد من النزاعات والمواجهات، ويضيف أن الاحتمالات التي تستند إلى إحداث تغيير في النظام الحاكم – في حال تحقق أي منها – لا تضمن أن النظام العراقي القادم سيعيش بسلام في منطقة خليجية آمنة، أو في شرق أوسط ينعم بالسلام.
وتذكر الدراسة بأن حالات أخرى – مثل جزيرة هايتي – أظهرت أن التعبير عن النوايا الحسنة أسهل بكثير من تنفيذ هذه النوايا ومن تفادي ما تسميه (قانون النتائج غير المقصودة).
ويخلص Cordesman في هذا الجزء من دراسته إلى أن حتى الجهود المطولة الهادفة إلى إعادة بناء العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين، قد تنتهي إلى ترك العراق محمّلا بالمتاعب في منطقة لا تخلو هي الأخرى من المتاعب.

على صلة

XS
SM
MD
LG