روابط للدخول

المواقف الأوروبية تجاه قضايا الهجرة - القسم الثاني


سيداتي وسادتي.. في حلقة الأسبوع الماضي من برنامج "عالم متحول" تناولنا التحول في المواقف الأوروبية تجاه قضايا الهجرة، وذلك في ضوء النتائج التي أسفرت عنها قمة الاتحاد الأوروبي التي عقدت أخيرا في مدينة اشبيلية الأسبانية. ونقدم اليوم لحضراتكم القسم الثاني والأخير الذي نعرض فيه لمواقف المانيا والدول الاسكندينافية وبريطانيا. التقرير أعده مراسلا اذاعة اوروبا الحرة في ميونيخ رولاند أيغلستون، وفي براغ بريفني أوروركي.

--- فاصل ---

قضية الهجرة ظلت منذ أربعة عقود مسألة حساسة في المانيا. قبل نحو أربعين عاما فتحت ألمانيا أبوابها أمام العمال من تركيا ودول البلقان في الستينات والسبعينات. لكن القضية اصبحت ساخنة في الشهر الأخيرة عندما دفعت الحومة التي يقودها الحزب الاشتراكي الديموقراطي في اتجاه قانون ينص على زيادة عدد المهاجرين من ذوي المهارات لملء الفراغات في قطاعات التكنولوجيا المتطورة والطب.
المستشار الالماني غيرهارد شرويدر يسعى الى تخفيف القيود لتمكين هجرة الآلاف من ذوي المهارات الى ألمانيا معتبرا ان هذا الاجراء ضروري لابقاء ألمانيا قادرة على المنافسة في عالم اقتصادي متطور.
لكن زعيم المعارضة إدموند شتويب زعيم الحزب الديموقراطي المسيحي ر يرى ان الحكومة تضخم المشكلة، وأن ألمانيا لا تحتاج في الواقع الى هذا العدد من الخبراء الأجانب. ويشير الى العواقب السلبية التي يمكن ان تنجم عن ذلك في ظل النسبة الحالية للبطالة التي تبلغ عشرة في المئة من القوة العاملة.
وتشدد المعارضة على أن ألمانيا تحتضن أعلى نسبة في أوروبا من المقيمين الأجانب الذين يبلغ عددهم حاليا سبعة فاصلة 3 مليون شخص في بلد تبلغ عدد سكانه 82 مليون نسمة. وبلغ عدد المهاجرين الى ألمانيا في العام الماضي وحده نحو مائة ألف شخص.

يقول شتويبر:
"نحن حاليا البلد الذي قبل اكبر عدد من الاجانب. أما اولئك الذين يريدون ما هو اكثر فانهم يطالبون المانيا بالكثير. ولهذا السبب تحتاج المانيا الى تقييد الهجرة والسيطرة عليها".

وفي الحملة الدعائية للانتخابات العامة التي ستجرى في الخريف المقبل، تطالب المعارضة الألمانية ببذل جهود أكبر من أجل دمج ملايين المقيمين الأجانب في المجتمع الألماني. وأعلن شتويبر أنه في حال فاز في الانتخابات فإنه سيصر على ضرورة إدخال المقيمين الحاليين وجميع طالبي الهجرة في المستقبل في دورات تعليمية خاصة لدراسة تقاليد ألمانيا وتاريخها، إضافة الى لغتها.
لكن المنتقدين لهذا التوجه يقولون أن شتيوبر لا يوضح هل يريد ان يمنح المقيمون الجنسية الألمانية أم أن يقتصر الأمر على دمجهم في المجتمع الالماني.
ولتشجيع الاندماج اقر البرلمان الالماني في اذار الماضي قانون في هذا المجال وأصبح نافذا بعدما وقعه الرئيس جوهانز راو في الشهر الماضي، لكن تنفيذه يظل غير واضح لأن المعارضة أعلنت أنها تنوي الطعن في دستورية القانون أمام المحكمة الدستورية. ويحدد القانون سقفا لعدد الراغبين في الهجرة الى المانيا.
وتفيد التقديرات بأن عدد اللاجئين الشرعيين في ألمانيا يضم أكثر من مليوني تركي، كان آباء غالبيتهم جاءوا الى البلاد بصفتهم "عمالا ضيوف"، كما كانوا يوصفون في الستينات والسبعينات. لكن المدن الألمانية تعج اليوم أيضا بآلاف آخرين قدموا من أفريقيا وآسيا وجنوب أميركا.
الناطقة باسم وزارة الخارجية الألمانية غيردا شنايدر تقول إن المعارضة تواصل الزعم أن ألمانيا ليست ما تسمى بدولة مهاجرين بالمعنى المستخدم في بريطانيا والولايات المتحدة وكندا. لكن الواقع أمر مختلف كما توضح شنايدر:
"يرفض البعض الاقرار بذلك الا ان الحقيقة هي ان المانيا اصبحت موطنا للعديد من الثقافات. والواقع الحالي هو ان المانيا في حاجة ماسة الى جذب المهاجرين لملأ وظائف لا يمكن ايجاد اناس مناسبين يقومون بها في البلاد. علينا الاعتراف باننا نعتمد في الحفاظ على ازدهارنا على الاشخاص القادمين من دول اخرى".

معظم التقارير عن الاقتصاد الالماني يشير الى النقص في الخبراء في مجالات تكنولوجيا الكومبيوتر والبحوث الصناعية والعلمية. لكن حتى القطاع الصحي يؤكد انه يعاني وضعا صعبا جدا. رابطة الطب الالمانية تقول ان هناك حاجة لنحو سبعة وعشرين الف طبيب، وتضيف ان الجهود تبذل من أجل استخدام نحو خمسة آلاف ممرضة من رومانيا.
عموما لا تبدو الحلول سهلة. وفي هذا المجال يرى المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية انه اذا ظلت الأمور على حالها فإن حجم القوى العاملة ستقلص بشكل دراماتيكي بحلول عام ألفين وعشرين، وإذا لم تتخذ الاجراءات اللازمة حتى ذلك الوقت فان ألمانيا ستحتاج الى مليون ومائتي ألف مهاجر سنويا.
ولا عجب في ظل هذه الأوضاع أن تكون قضية الهجرة موضوعا رئيسا في الحملة الدعائية للانتخابات الألمانية العامة التي من المقرر ان تُجرى في ايلول المقبل.

--- فاصل ---

أما في الدول الإسكندينافية وبريطانيا فان قوانين الهجرة فيها تتعرض لتهديدات تعكس ما يجري في بقية أوروبا الغربية. الدانمارك قررت تشديد قوانينها بالنسبة الى الهجرة الشرعية، وهي سياسة تقول الدول المجاورة لها أنها ستشجع على المزيد من الهجرة غير المشروعة. لكن على عكس الدانمارك، تقول السويد إنها إضفاء مزيد من الشفافية على قوانينها الخاصة بالهجرة كوسيلة لمكافحة نزعة كره الأجانب. أما بريطانيا، التي تعتبر من اكثر الدول الاوروبية التي يقصدها المهاجرون، فتقول إنها ستعاقب الدول التي ترفض اعادة المهاجرين القادمين منها الى بريطانيا.
وزير الهجرة الدانماركي بيريل هاردر أطلق اشارة التشدد عندما اعلن مطلع العام الجاري ان الاجانب في بلاده يكلفون المجتمع أكثر مما يقدمون له. وجاء تصريحه هذا على خلفية عدد العاطلين عن العمل بين المهاجرين بنسبة تزيد ثلاث مرات عن العاطلين بين الدانماركيين الأصليين.
ويزعم المسؤولون الدانماركيون أن الاجراءات الجديدة التي ينوون تطبيقها تحظى بدعم واسع من قبل الراي العام، الأمر الذي تؤكده نتائج أحدث استطلاعات للرأي.
لكن جماعات حقوق الانسان أعربت عن استيائها، مشيرة الى ان الاجراءات الجديدة ستضع أمام طالبي اللجوء شروطا اقسى من الدول الاخرى الأعضاء في الاتحاد الاوروبي. يقول المسؤولون في كوبنهاغن أن الدانمارك تخطط لقبول سبعة آلاف لاجئ خلال العام الجاري، وهو نصف عدد المقبولين في العام الماضي.
المسؤولون في السويد والنروج يحملون الدانمارك مسؤولية ازدياد عدد اللاجئين المتدفقين على البلدين، الأمر الذي تنفيه كوبنهاغن مشيرة الى أن السلطات المعنية فيها حققن في الاتهام وتبين عدم صحته.
لكن وزير الهجرة السويدي يان كارلسون يقول ان عدد المتدفقين على بلاده ليس كبيرا في اي حال ولا يشكل الامر مشكلة بالنسبة الى السويد. لكن ذلك لم يمنعه من ان يعرب عن استيائه من الموقف الدانماركي. وقال:
"لا يتعلق الامر فقط بطريقة النظر الى اللاجئين ولكن ايضا بدمج اولئك الذين مُنحوا الموافقة على البقاء بشكل دائم في المجتمع. ونحن في السويد نعتقد ان قوانين الدنمارك خطوة خطيرة في اتجاه الخلف".

وردا على سؤال هل تشعر السويد أنها نجحت على صعيد تحقيق الاندماج للاجانب في المجتمع السويدي قال كارلسون:
"نظرا للظروف التي حدث فيها تدفق كبير في اللاجئين في فترة الحروب في يوغسلافيا في اوائل التسعينات ولاننا فقدنا ايضا نصف مليون فرصة عمل في السويد يمكنني القول اننا تمكنا من تدبير الامور بطريقة معقولة. عندما ننظر الان الى مستوى العمل بين المهاجرين من غير الاوربيين فهم مجموعة اثبتت انها الاسرع".

ولعل السياسة السويدية في مجال الهجرة ستكون الأكثر منطقا على المدى الطويل. الجماعات الدولية ترى ان مجرد تشديد قوانين الهجرة كما تفعل الدانمارك لن يؤدي سوى الى تفاقم الهجرة غير المشروعة.
دوريس بيشكي الامين العام للجنة الكنسية للهجرة الاوروبية تقول:
"هناك نسبة متزايدة من الاشخاص الذين لم يعودوا يجرؤون حتى على طلب اللجوء وممن يفضلون البحث عن فرص للعمل بطريقة غير شرعية لانهم يشعرون بانهم غير مرحب بهم في عملية اللجوء. هذا الوضع اصبح معقدا جدا. انهم يفضلون البحث عن عمل وبالتالي بعض القبول داخل المجتمع".

تضيف بيشكي أن التفكير في اوروبا بعد العمليات الارهابية في الحادي عشر من ايلول الماضي ضد الولايات المتحدة، أن هذا التفكير بات ميالا نحو مكافحة الهجرة غير المشروعة، ووضع برامج للهجرة المشروعة.
في هذا الصدد اتفقت معها خبيرة أخرى هي جوانا أباب من مركز البحوث السياسية الاوروبية في بروكسيل، التي تقول إن اعتراض عدد من الدول الاوروبي ادى الى تخفيف الاقتراحات الرامية الى تفعيل القواعد الخاصة بلم شمل العائلات. بينما يمكن برامج لمّ الشمل أن تشكل الأساس لتعزيز سياسة الهجرة المشروعة.
تقول أباب:
"لا اعتقد ان مؤسسات الاتحاد الاوربي في بروكسل كانت شجاعة بما يكفي للسير في الاتجاه الذي تريد السير فيه واعتقد ان الاوان قد آن للهيئة كي تصرح بان الاتحاد الاوربي يعتبر نفسه الان في حاجة الى الهجرة وانه مكان للهجرة وان السياسة السابقة القائمة على صفر درجة هجرة قد فشلت".

تبقى بريطانيا، البلد الذي يعتبر هدفا رئيسا يقصده طالبو اللجوء والمهاجرون غير الشرعيين بسبب احتضانها تجمعات كبيرة من الجاليات الأجنبية. كما ان اللغة الانكليزية تشكل سببا مهما آخر يغري اللاجئين على التوجه اليها.
وعلى عكس السويد اتخذت لندن موقفا متشددا من الهجرة، وهي تدعم فكرة فرض عقوبات على الدول التي ترفض اعادة اللاجئين الذي يتوجهون منها الى بريطانيا.
ويقول المسؤولون البريطانيون إنهم يسعون بحماس الى التعاون مع بقية شركائهم الاوروبيين من اجل موقف أوروبي مشترك من قضية الهجرة.
يشار الى ان السلطات البريطانية قامت في خطوة غير مسبوقة بفتح مركز في مطار براغ للتدقيق في جوازات المسافرين الى لندن واعطاء الضوء الاخضر لسفرهم. وكان الاجراء الذي الغي الان ناجحا في حينه وادى الى منع سبعة واربعين شخصا من السفر خلال اسبوع واحد بعدما تأكد للمركز ان هؤلاء كانوا ينوون السفر للاقامة في بريطانيا بطريقة غير مشروعة. وكانوا في معظمهم من الغجر التشيك.

على صلة

XS
SM
MD
LG