روابط للدخول

الملف الثالث: مشكلة تسعير النفط العراقي وتأثيراتها


مراسل إذاعة أوروبا الحرة / إذاعة الحرية (تشارلز ريكنكل) أعد لنا تقريراً عن مشكلة تسعير النفط العراقي وعن تأثيرها على إيصال البضائع الإنسانية إلى العراق. (ولاء صادق) تعرض لهذا الموضوع في الملف التالي.

يعاني برنامج الامم المتحدة للنفط مقابل الغذاء من شحة في الموارد بسبب تخفيض العراق صادراته النفطية الناجم بدوره عن خلاف حول تسعير النفط. وهو خلاف يضع بغداد في مواجهة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، واشرك فرنسا وروسيا ايضا مما عقد من احتمالات ايجاد حلول له في وقت قريب.
مراسل اذاعة اوربا الحرة اذاعة الحرية شارلز ركناغل كتب لنا التقرير التالي عن مشكلة تسعير النفط العراقي ومدى تأثيرها على ايصال البضائع الانسانية الى العراق.

يقضي برنامج النفط مقابل الغذاء بالسماح لبغداد ببيع كميات غير محدودة من نفطها الخام واستخدام العائدات في شراء البضائع الانسانية للشعب العراقي.
الا ان هذه الصيغة البسيطة عمليا التي من المفترض ان تخفف من معاناة الشعب العراقي من عقوبات الامم المتحدة لم تعمل بشكل انسيابي الا نادرا.
ووضع برنامج النفط مقابل الغذاء الحالي يبين ذلك واضحا. اذ يعاني البرنامج من نقص في الموارد يصل الى 2.250 مليون دولار كان من الممكن استخدامها في شراء كميات كبيرة من الاغذية والادوية والمنتجات الاخرى للشعب العراقي. ولكن لم يتم شراء هذه البضائع لان بغداد خفضت انتاجها من النفط بسببب خلاف مع لجنة العقوبات التابعة للامم المتحدة عن كيفية تسعير النفط العراقي.
وتكمن المشكلة في انخفاض صادرات العراق النفطية الى 1.2 مليون برميل يوميا اي الى نصف قدرته التصديرية البالغة 2.2 مليون برميل يوميا. هذا اضافة الى ايقاف العراق تصدير نفطه بسبب عوامل سياسية. ففي الصيف الماضي اوقف العراق تصدير نفطه لعدة اسابيع احتجاجا على جهود
واشنطن ولندن لتشديد نظام العقوبات على استيراد العراق بضائع ذات استخدام عسكري محتمل. ثم اوقف العراق تصدير نفطه ايضا هذا العام احتجاجا على العمليات العسكرية الاسرائيلية في الاراضي الفلطسينية.

--- فاصل ---

ومع انخفاض صادرات النفط العراقي وبالتالي عوائدِه راحت كل من بغداد ولجنة العقوبات تلقي احداهما اللوم على الاخرى في استغلال معاناة الشعب العراقي. وقالت واشنطن ولندن وهما اهم بلدين يدعمان نظام العقوبات، إن العراق خفض صادراته كي يفرض رفع الرقابة على التسعير الهادفة الى منع بغداد من فرض رسوم سرية على مشتري النفط في التفاف على برنامج النفط مقابل الغذاء.
اما بغداد التي أنكرت تماما مطالبتها برسوم فتقول ان الرقابة على التسعير تجعل من المستحيل ايجادَ عدد كاف من المشترين مما يجبرها على تخفيض انتاجها رغما عنها.
وطغى هذا الخلاف هذا الاسبوع على لجنة العقوبات عندما حاول اعضاء مجلس الامن الدائمين ايجاد طريقة لانهاء الازمة وتنشيط صادرات النفط العراقي. وتركزت النقاشات على هل يتم الابقاء أم لا على نظام التسعير الرجعي الحالي للنفط العراقي بعد تحميله لتجنب فرض رسوم غير شرعية. علما ان نظام التسعير الرجعي مطبق منذ تشرين الاول الماضي بحث من واشنطن ولندن كوسيلة لحرمان بغداد من موارد غير شرعية قد تستخدمها في شراء اسلحة دمار شامل.
الا أن المحللين النفطيين يقولون إن النقاشات الدائرة حاليا حول التسعير لم تظهر غير اشارات قليلة على احراز تقدم. بل انها ادت الى ظهور خلافات بين اعضاء مجلس الامن الدائمين دون التوصل الى حل وسط.

--- فاصل ---

وقال جيرالد بات وهو خبير في الصناعة النفطية يعمل في قبرص إن الخلاف داخل لجنة العقوبات يضع الولايات المتحدة وبريطانيا في جانب مقابل روسيا في الجانب الاخر. وأضاف أن الروس الذين لم يتحمسوا على الاطلاق لنظام التسعير الرجعي راحوا يشعرون بقلق متزايد من تأثيرات تناقص صادرات النفط العراقي على شركاتهم النفطية نفسها.
علما ان الشركات الروسية هي من بين اكبر الشركات المتاجرة بالنفط العراقي في اطار برنامج النفط مقابل الغذاء. أذ تشتري سنويا ما قيمته خمسة الاف مليون دولار من النفط الخام كي تبيعه في الاسواق الغربية والاسيوية.
ويقول بات إنه يبدو أن غالبية اعضاء مجلس الامن يبتعدون عن سياسة التسعير الرجعي ويفضلون فرض قيود على صعيد تحديد اي الشركات يمكنها التعامل مع النفط العراقي كبديل لضمان عدم دفع رسوم غير شرعية الى بغداد. الا انه قال ايضا إن تجار النفط الروس الصغار والمستقلين الذين يتعاملون مع النفط العراقي أبدوا مقاومة عنيدة لمثل هذه القيود.

" قد توافق بقية مجلس الامن على لائحة تكون السيطرة عليها شديدة وتضم اسماء شركات يسمح لها بنقل النفط الخام العراقي. وبهذه الطريقة يمكن ايقاف اي نوع من المضاربات على بيع النفط الخام واعادة بيعه او فرض رسوم عليه. ولكن هناك العديد من الشركات الروسية العاملة في مجال بيع النفط العراقي الخام ومن مصلحة هذه الشركات ابقاء السوق مفتوحة بدلا من وضع لائحة محددة تضم اسماء مشترين معروفين ومحترمين ".
ووما يذكر هنا ان الشركات النفطية الروسية تتمتع بدعم سياسي من موسكو التي دعت هذا الاسبوع الى انهاء نظام التسعير الرجعي الا انها لم تطرح بديلا عنه. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان لها إن نظام التسعير الرجعي ادى الى خفض الصادرات العراقية بطريقة لم يسبق لها مثيل. واتهمت دعاة النظام مثل الولايات المتحدة وبريطانيا بالسعي الى تخفيض ارباح التجار الروس.
وجاء في البيان الروسي ايضا وهنا اقتبس " بحجة ضمان سيطرة اكبر على مبيعات النفط العراقي يحاول ممثلو هذه الدول التقليل من ارباح الشركات التي تشارك في تصدير النفط العراقي " نهاية الاقتباس. وقالت الوزارة ايضا ان انخفاض صادرات النفط العراقي اوصل برنامج النفط مقابل الغذاء الى شفا الانهيار وان له نتائج سلبية واضحة على الشعب العراقي.
وفي محاولة لتجاوز الخلافات حول نظام التسعير الرجعي اقترحت فرنسا نظاما جديدا من شأنه ان يسمح للعراق بتحديد سعر نفطه قبل خمسة عشر يوما من بيعه. ويقول الدبلوماسيون الفرنسيون إن هذه الطريقة تمنح المشترين الوقت الكافي لاتخاذ القرار بشراء النفط او بعدمه قبل تحميله كما سيحد من قدرة بغداد على فرض رسوم على النفط.
ويقول بات ايضا إن فكرة التسعير قبل خمسة عشر يوما ستساعد العراق في مواكبة الصناعة النفطية في العالم كما ستكون في صالح المشترين. واضاف:
" يمنح هذا الامر المشترين خيارات اوسع لا سيما الموافقة اوعدم الموافقة على هذا السعر او ذاك لفترة معينة. ثم انهم سيتمتعون بمرونة اكبر على صعيد تحريك الناقلات وايصالها الى المكان المناسب او ارسالها الى مجهزين اخرين للنفط الخام ".

الا انه قال ايضا إن فترة خمسة عشر يوما اكثر تحديدا من فترة الثلاثين يوما المتعارف عليها في التسعير مما يعني أن المشترين الكبار فقط هم الذين سيتمكنون من مماشاة هذه الظروف. ويمكن لهذا ان يساعد لجنة العقوبات كما قال في متابعة من يشتري النفط العراقي وان يحد من قدرة بغداد على فرض رسوم عليه. ثم تابع قائلا:
" سيتم تحديد عدد الشركات الراغبة في نقل النفط. الامر الذي سيحد بالتالي من قدرة العراق على فرض رسوم اضافية. فكلما توفر وقت اطول اصبحت السوق مفتوحة اكثر وخارج السيطرة وتمكن العراقيون من انتقاء المشترين واختيارهم ومن فرض رسوم اضافية عليهم ".
ومع مناقشة لجنة العقوبات التابعة للامم المتحدة مسائل تسعير النفط ليس هناك اي اشارة على احتمال حصول المقترح الفرنسي على اتفاق. ويدعو المقترح الفرنسي ايضا الى تقليل قائمة بالف شركة مسموح لها الان بشراء النفط العراقي والنظر الى معاناة الشعب العراقي في ظل اثني عشر عاما من العقوبات.
ونقلت وكالة رويترز عن دبلوماسي غربي قوله بعد اجتماع لجنة العقوبات في نيويورك امس ان المقترح الفرنسي " خطوة في الاتجاه الصحيح ". الا انه قال إن اللجنة ما تزال بعيدة عن التوصل الى اتفاق. هذا ومن المتوقع ان تعود اللجنة الى الانعقاد بعد اسبوعين.
ويؤدي الخلاف المستمر هذا الى وضع برنامج النفط مقابل الغذاء في حالة من عدم اليقين لم يسبق لها مثيل. وهناك احتمال كبير ان يستمر البرنامج ورغم اهدافه الانسانية في ان يكون ميدان الخلافات بين الامم المتحدة وبغداد على حساب الشعب العراقي.
الا ان الخلافات السابقة كانت قد ادت الى توجيه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا اتهاما الى بغداد بتعمد عرقلة شراء البضائع الانسانية في اطار البرنامج بهدف زيادة معاناة الشعب العراقي وزيادة المعارضة الدولية لاستمرار العقوبات على بغداد. بينما اتهمت بغداد من جانبها واشنطن ولندن بابطاء تسليم البضائع في اطار البرنامج لخلق ضغط داخل العراق ضد الحكومة.
ويذكر ان الامم المتحدة فرضت العقوبات على العراق في عام 1990 بعد اجتياح العراق الكويت ويبقى رفعها مشروطا باثبات بغداد عدم امتلاكها اسلحة دمار شامل. وقد وضع برنامج النفط مقابل الغذاء في شهر كانون الاول من عام 1996 للسماح للعراق ببيع نفطه تحت اشراف الامم المتحدة. وتحتفظ الامم المتحدة بعوائد النفط في حساب خاص تستخدم الاموال المودعة فيه في شراء البضائع الانسانية ودفع تعويضات الحرب.

على صلة

XS
SM
MD
LG