روابط للدخول

الملف الثالث: هل يمر طريق القدس عبر العراق؟


أعد قسم الاخبار والتحليلات السياسية في إذاعة أوروبا الحرة تحقيقاً ضم أحاديث مع عدد من المحللين السياسيين، وركز على سؤال رئيسي مفاده: هل يمر طريق القدس عبر العراق؟ (ولاء صادق) في العرض التالي.

ظهر الرئيس بوش هذا الاسبوع انه انهى الحيرة التي تحيط بسياسة الولايات المتحدة ازاء الشرق الاوسط باعلانه الوقوف بشكل كبير الى جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون ودعوته الى ازاحة القائد الفلسطيني ياسرعرفات. ويقول المحللون ان هذا القرار يشير الى انتصار الصقور في ادارة الرئيس بوش الذين يعتقدون ان استخدام القوة العسكرية الاميركية قد يحل المشاكل التي تحدت دبلوماسيي الشرق الاوسط منذ عقود. بينما يعتقد البعض الاخر في العاصمة الاميركية ان مثل هذا التفكير تبسيطي بشكل خطير. عن هذا الموضوع كتب لنا مراسل اذاعة اوربا الحرة اذاعة الحرية جيفري دونافان التقرير التالي:
ترى هل يمر الطريق الى القدس عبر بغداد ؟
نعم اذا ما كانت بغداد تعني اسقاط الرئيس العراقي صدام حسين بقيادة الولايات المتحدة واذا ما كانت القدس تعني نهاية للصراع الاسرائيلي الفلسطيني وانتصار الديمقراطية على الاوتوقراطية في مختلف دول الشرق الاوسط الاسلامية.
ويعتقد القليل من المحللين ان ادارة الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش عازمة على توجيه ضربة الى الجيش العراقي وانها ربما ستحاول استخدام نصرها على صدام حسين كوسيلة لفرض تسوية نهائية للصراع الاسرائيلي الفلسطيني ولاسقاط ما تدعوه بالانظمة المارقة من طرابلس الى طهران الى دمشق.
وربما تبدو الفكرة غير محتملة الا ان ريموند تانتر وهو عضو سابق في مجلس الامن القومي في فترة الرئيس رونالد ريغان واستاذ في جامعة ميشيغان يقول ان لهذا الامر سابقة تاريخية.
وأشار تانتر وهو استاذ زائر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الاوسط ومؤلف كتاب يحمل عنوان " الانظمة المارقة: الارهاب والانتشار" اشار مثل عديدين اخرين الى نصر الولايات المتحدة في تاريخ الشرق الاوسط الحديث. وقال إنه وضع الشروط الاساسية اي انه وفر المصادر السياسية لاميركا لاقناع خصوم اسرائيل المسلمين بدعم عملية سلام في الشرق الاوسط في بداية التسعينات.
وبعد اكثر من عقد على طرد قوات صدام حسين من الكويت يقول تانتر ان عملية جيدة التنفيذ لاسقاط القائد العراقي الان ستغير الوضع السياسي الاقليمي وتحقق النجاح بالاعتماد على القوة العسكرية الاميركية بعد ان فشلت سنوات من الدبلوماسية.
" اعتقد ان الطريق الى القدس يمر عبر بغداد. والطريق الى طهران يمر عبر بغداد. والطريق الى دمشق يمر عبر بغداد. ويعني هذا انه اذا ما تغير النظام في بغداد بالقوة، فستفرض القوة العسكرية الاميركية ظلا دبلوماسيا ضخما. وسيكون هذا عقد اميركا في الشرق الاوسط ".
الا ان محللين اخرين يقولون ان هذه الفكرة تبسيطية الى حد بعيد ويحذرون من ان الشرق الاوسط اليوم مختلف واكثر مناهضة لاميركا مما كان عليه منذ عشر سنوات. وهم يقولون إن سياسة الولايات المتحدة ازاء الشرق الاوسط ومن خلال دعمها اسرائيل بشكل كامل وابدائها رغبتها في استخدام القوة لحل المشاكل الصعبة انما تصب الزيت على النار التي تحرك الارهابيين مثل اسامة بن لادن المتهم بهجمات الحادي عشر من ايلول.
وحتى يوم امس بدت سياسة الرئيس بوش ازاء الشرق الاوسط وكأنها متنازعة بين صقور ادارته الذين يفضلون دعما اميركيا قويا لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون مثل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائب الرئيس ديكك تشيني، واولئك الذين يدعون الى دبلوماسية اكثر توازنا مثل وزير الخارجية كولن باول.
ولكن الرئيس بوش حاول في خطابه الاخير في البيت الابيض تبديد هذه الحيرة وطالب الفلسطينيين بالتخلي عن عرفات باعتباره القائد وادخال اصلاحات مؤسسية كبيرة كشرط لانشاء دولة فلسطينية في غضون ثلاث سنوات.
ويقول المحللون ان هذا القرار يعكس انتصار رامسفيلد وتشيني ونائب وزير الدفاع بول وولفويتز الذي يعتبر القائد الفلسطيني ياسر عرفات شريكا يتصف بالارهاب لا يعتمد عليه في السلام. وبالفعل تحدث وولفويتز بشكل علني بعد احداث الحادي عشر من ايلول عن القضاء على الدول التي ترعى الارهاب بنبرة شديدة ما لبث البيت الابيض ان خففها بعض الشيء في ما بعد.
وقالت جوديث كبر هي عضو في مجلس العلاقات الخارجية ورئيسة مشاركة لبرنامج الشرق الاوسط في مركز واشنطن للدراسات الستراتيجية والدولية:
" اعتقد انه ربما سيكون هناك تغير في تفكير البعض في واشنطن لو تمكنت الولايات المتحدة من تغيير النظام في العراق ومن اعادة ترتيب الخارطة في الشرق الاوسط. ويعني ذلك اجبار الفلسطينيين على الموافقة على بعض الامور التي لم يكونوا راغبين في الموافقة عليها واجبار الدول الاخرى على التحرك قدما لتنفيذ ما تريد الولايات المتحدة تنفيذه منهم، اي مشاركة اكبر وتعاون اكبر في الحرب على الارهاب ونشر الديمقراطية.
ورغم قول الرئيس بوش الا خطط حرب على مكتبه الا انه لا يخفي التزامه بتغيير النظام في العراق متهما صدام حسين بتطوير اسلحة دمار شامل قد تنتقل الى ارهابيين او تستخدم ضد المصالح الاميركية. وقد حشد الرئيس بوش بقوة الحلفاء الاوربيين وروسيا لدعم نوع من الحملة ضد صدام دون ان يحقق نجاحا ملحوظا في ذلك حتى الان.
هذا وقد حذر صدام حسين العراقيين امس وطلب منهم تهيئة انفسهم لتصعيد ما دعاه " بالمؤامرة الاميركية الصهيونية " ضد العراق. واخبر صدام وكالة الانباء العراقية وهنا اقتبس " المؤامرة الاميركية الصهيونية العراقيين ستزداد شراسة لان الاميركيين والصهاينة يرونكم متحدين ومنظمين وانتم محاصرين وتتطورون ". نهاية الاقتباس.
ويعتقد تانتر ان واشنطن تسعى الى وضع سياسة متماسكة ازاء بغداد تضمنت حتى الان العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية وركزت مؤخرا على العمليات السرية. وأفادت الصحافة الاميركية ان الرئيس بوش وقع امرا في وقت متقدم من هذا العام يأمر فيه وكالات المخابرات الاميركية بالعمل على اسقاط صدام. ويشمل ذلك الاغتيال اذا ما تطلب الامر.
ويقول تانتر ايضا ان تدخلا عسكريا اميركيا قد يكون امرا حتميا اذا ما فشلت العمليات السرية في تحقيق تغيير النظام في بغداد. وإن مثل هذه العملية قد تتطلب حوالى مائتي الف رجل من القوات الاميركية:
" تقوم الادارة بجميع التحضيرات لاستخدام القوة العسكرية قبل ربيع عام 2003 ، اذا لم تنجح العمليات السرية مع الوسائل الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية في احداث تغيير في النظام ".
ويقول أغلب المحللين إن خطاب الرئيس بوش يعطي الضوء الاخضر لشارون للاستمرار في مطاردته العسكرية في الضفة الغربية التي يقول عنها القائد الاسرائيلي انها تهدف الى اجتثاث جذور الارهابيين الفلسطينيين.
الا ان العديد من المعلقين العرب يقولون ان الرئيس بوش غير متوازن وان مثل هذا الموقف قد يؤدي الى زيادة الارهاب ضد الولايات المتحدة.
ورغم ان الرئيس بوش طالب اسرائيل ببعض الامور اي ان تنهي احتلالها للمناطق الفلسطينية وان تتوقف عن انشاء المستوطنات اليهودية هناك الا انه لم يعرض اغصان زيتون على الحكومات العربية.
بل وجه الرئيس بوش بدلا من ذلك تحذيرا الى الحكومات العربية. واخبر جيران اسرائيل ان عليهم ان يوفروا شروطا مهمة منها ايقاف دعم الجماعات الارهابية التي تسعى الى تدمير اسرائيل ومعارضة " الانظمة التي تشجع الارهاب مثل العراق " اذا ما ارادوا تجنب غضب اميركا وارادوا ان يعتبروا مع حرب الولايات المتحدة ضد الارهاب وليس ضدها.

ويقول بعض المحللين رغم ذلك ان من غير الواقعي توقع الدعم من الحلفاء العرب التقليديين للولايات المتحدة مثل السعودية ومصر او الاردن لهجمة تقودها الولايات المتحدة ضد العراق.
وقال ادوارد اتكسون وهو جنرال متقاعد في الجيش الاميركي وخبير في شؤون الشرق الاوسط العسكرية واستاذ في مركز الدراسات الدولية والستراتيجية. قال ان غالبية العالم ومنهم الدول العربية دعمت تحرير الولايات المتحدة للكويت. الا ان الراي العام الاسلامي مختلف كثيرا الان كما قال ازاء مسألة ازاحة صدام دون وجود دافع واضح. واضاف:
" اثارت الانتفاضة الفلسطينية نوعا من الولاء الروحي هناك بحيث ان الكثير من العرب والمسلمين يشعرون بالريبة ازاء موقف اميركا ونواياها. والان ومع خطاب الرئيس بوش المؤيد لاسرائيل، سيكون الحصول على دعم واسع من الدول العربية امرا اصعب ".
ويؤيد اتكسون ايضا الفكرة القائلة بان اسقاط صدام سيمنح واشنطن الحرية لاعادة تنظيم الشرق الاوسط ويشمل ذلك حل المسألة الاسرائيلية الفلسطينية.
" يحتل الاسرائيليون الضفة الغربية منذ حوالى خمسة وثلاثين عاما. .....حدثت حروب عديدة وحققنا نجاحات كثيرة واصبنا بحالات فشل كثيرة ايضا. ولكنني لا ارى الوضع اليوم مختلفا كثيرا عما كان عليه قبل خمسة وثلاثين عاما ".
الا ان تانتر مقتنع ان احراز نصر في العراق سيخلق طاقة كهربائية ستحولها الولايات المتحدة فيما بعد الى نجاح سياسي في مختلف انحاء الشرق الاوسط الذي تسيطر عليه حكومات مناهضة للغرب وتقمع حقوق مواطنيها السياسية والمدنية وتدعم الارهاب. ثم اضاف:
" اذا ما غيرتم النظام بقوة في بغداد، ستهزون الدكتاتورية في سوريا وفي ليبيا وستقلل دول مارقة اخرى من مروقها. وسيتحقق هنا راي ميكافيللي: من الافضل ان ينظر الى اميركا نظرة احترام وخوف اكثرمن نظرة حب وستلقي بظلها السياسي الضخم ".
ولكن وقبل ان تتمكن الولايات المتحدة من التحرك ضد بغداد وكما يقول تانتر من المحتمل ان يتطلب الامر قيام العراق باستفزاز الولايات المتحدة لجعل تدخلها شرعيا.
وقد يصدر ذلك في شكل تحد عراقي لجهود الامم المتحدة لجعل بغداد توافق على اعادة المفتشين الدوليين الذين يبحثون عن اسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيمياوية والنووية. علما ان صدام سبق وان استخدم الاسلحة الكيمياوية مرتين حتى الان: ضد الاكراد بعد حرب الخليج وضد الايرانيين خلال الحرب العراقية الايرانية في الثمانينات.
وعلما ايضا ان مفتشي الاسلحة لم يعودوا الى العراق منذ نهاية عام 1998. هذا ومن المقرر ان تجتمع الامم المتحدة في الرابع والخامس من شهر تموز القادم في فيينا مع العراق في جولة ثالثة من المباحثات حول عودة المفتشين الى بغداد.
ويقول شارلز دويلفر الذي كان الرجل الثاني في قيادة فريق التفتيش التابع للامم المتحدة في العراق خلال التسعينات، يقول انه يعتقد ان محادثات الامم المتحدة ستؤدي الى لا مكان: وقال:
" لن يكون هناك اي اتفاق على عودة المفتشين وتخميني هو انه لن يكون هناك اي اتفاق حتى ، على الاستمرار في الحوار ".
ومما يذكر هنا ان العراق قال عبر احدى صحفه المهمة انه يجب رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد قبل السماح للمفتشين بالعودة الى البلاد. واصرار على هذا الشرط يمكن ان يضع بمرور الوقت غضب اميركا على المحك.

على صلة

XS
SM
MD
LG