روابط للدخول

تغيير مبدأ السرية في الجهود الدبلوماسية الأميركية


نشرت صحيفة أميركية واسعة الانتشار مقالاً تحليلياً عن اعتماد أميركا في السابق على مبدأ السرية في الجهود الدبلوماسية، وتغيير هذا المبدأ في سياستها الآن. (ولاء صادق) أعدت عرضاً لهذا المقال.

نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالة تحليلية في عددها الصادر امس بقلم ايلين شيولينو تعرضت فيها الى اسلوب تعامل ادارة الرئيس بوش مع ازمة الشرق الاوسط وقالت إن الرئيس بوش حاول فرض اسلوب السرية التامة على مختلف مجالات السياسة ومنع تسرب اخبارها الى الخارج الا في ما يتعلق بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني. فهو الوحيد الذي عبر فيه مسؤولو الادارة عن ارائهم وحتى عن اختلافاتهم بشكل علني كما لاحظت الصحيفة. والاهم من ذلك هو ان هذه التصريحات تُعلن رغم عدم اكتمال المسار السياسي الذي يوجه الدبلوماسية بشكل كامل. وهو ما شكا منه الاوربيون والعرب والكونجرس وحتى الاطراف المتنازعة كما قالت الصحيفة التي تساءلت عن سبب عدم التزام الادارة الاميركية بمبدأ السرية الدبلوماسية قدر تعلق الامر بالشرق الاوسط علما ان هذا المبدأ كان اهم سلاح لحل المشاكل الدبلوماسية.
ورأت الصحيفة ان عقودا من العداوات الشخصية وسنتين من العنف جردت الاطراف المتنازعة من الثقة الضرورية للمراهنة على مبدأ السرية. كما ان عدم وضوح جوهر السياسة الاميركية ازاء الشرق الاوسط عقد من الجهود الهادفة الى جعل الاطراف المتنازعة تقدم تنازلات. واكدت الصحيفة ان كل كلمة قد تتحول الى حقل الغام ثم اوردت مثال قرار مجلس الامن 242 الذي نص على انسحاب اسرائيل من اراضي محتلة في حرب عام 1967 وليس من الاراضي المحتلة مما دفع العرب الى مطالبة اسرائيل بالانسحاب منها مائة بالمائة ودفع اسرائيل الى القول ان هذا التنازل غيرُ منصوص عليه. كما ان احد اسباب سقوط وزارة اسحاق شامير في اسرائيل في عام 1990كانت اشارة الرئيس بوش الاب الى ان الدور التي بنتها اسرائيل في شرق اسرائيل هي مستوطنات وليست احياء سكنية.
ثم اشارت الصحيفة الى ما حدث خلال الايام الثمانية الماضية عندما صرح الرئيس بوش بحضور الرئيس المصري حسني مبارك يوم السبت بان على الولايات المتحدة ان تبدأ بالعمل مباشرة في اتجاه انشاء دولة فلسطينية. ثم ما لبث ان صرح في اليوم التالي بحضور رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون أنه لا يمكن تحقيق تقدم سريع في اتجاه السلام دون ادخال اصلاحات على السلطة الفلسطينية. أما وزير الخارجية كولن باول فاعلن يوم الاربعاء بان على الادارة الاميركية ان تدرس دعم دولة فلسطينية مؤقتة.

--- فاصل ---

واوردت صحيفة نيويورك تايمز قول كينيث بولاك مدير دراسات الامن القومي في مجلس العلاقات الخارجية إن السياسة ازاء الشرق الاوسط تبدو مثل مقعد يأخذ شكل اخر شخص يجلس فيه على حد تعبيره. ثم اوردت راي هنري كيسنجر الذي يصر على ان الادارة تصرفت بشكل جيد في الشرق الاوسط بان ما يدلى به من تصريحات علنية يؤدي الى الدخول في مواجهات علنية قبل تحديد الخيارات. أما جورج شولتز وهو وزير خارجية سابق فنقلت عنه الصحيفة قوله " عليك كان تكون حذرا مع الكلمات ".
وتساءلت الصحيفة مرة اخرى عن سبب انهيار جدار السرية الاميركية ازاء الشرق الاوسط؟ واجابت ان السبب هو ان الرئيس بوش جاء الى الحكم مع اصرار على ابقاء مسألة الشرق الاوسط بعيدا عن متناول اليد، ففي البداية لم تحصل المنطقة على اهتمام كبير كما تم ابدال وتهميش خبراء الشرق الاوسط الذين عملوا مع الادارات السابقة. ثم ومع خوض اميركا حربا ضد الارهاب استغلت الاطراف التي تريد احباط خطط الرئيس بوش لاسقاط صدام حسين تصاعد العنف في الشرق الاوسط مما ادى الى نقاشات حادة داخل فريق الامن القومي نفسه بشأن الاولويات. فالبنتاغون ونائب الرئيس ديك تشيني يعتبران ان اسقاط صدام سيسهل السلام في الشرق الوسط، بينما يفضل مسؤولو وزارة الخارجية منح الاولوية للازمة الفلسطينية. ثم ذكرت الصحيفة بارسال الادارة الاميركية نائب الرئيس ديك تشيني الى الشرق الاوسط بعد خطاب الرئيس بوش عن محاور الشر وذلك للحصول على دعم القادة العرب لمشروع اسقاط صدام. الا انه فشل بجميع الاعتبارات على حد تعبير الصحيفة التي نقلت ايضا قول مارتن انديك الذي كان سفير الولايات المتحدة في اسرائيل في فترة الرئيس كلنتون وفي بداية حكومة بوش ان الاحداث مترابطة في ما بينها، وإن جميع الاطراف في الشرق الاوسط التي لها مصالح في عرقلة حرب على العراق او في ضمان ادراج المسألة الفلسطينية في جدول الاعمال عملت على تصعيد الازمة. وقوله ايضا ان التصعيد الثابت للهجمات الارهابية وصل ذروته عندما كان تشيني في المنطقة مما جعل كل قائد عربي التقاه تشيني يؤكد على اولوية المسألة الفلسطينية.

--- فاصل ---

أما السبب الثالث في رأي الصحيفة فهو ان الادارة لم تقرر بعد ان كانت ستتخلى عن عرفات كشريك في المفاوضات ام لا. فبينما ترى وزارة الخارجية الا مناص من التعامل معه يبدو الرئيس بوش متفقا مع اصرار شارون على ازاحته من المسرح السياسي. ثم هناك الضغوط السياسية من المجموعات اليهودية الاميركية ومن الكونجرس ومن حلفاء اميركا في اوربا وفي الشرق الاوسط وهو ما يدفع الادارة الى ضرورة اظهار نفسها ملتزمة في الاقل كما تابعت الصحيفة.
وهناك ايضا مسألة انعدام الثقة كما لاحظت الصحيفة وعلى جميع المستويات تقريبا. اذ لا ثقة تقريبا بين شارون وعرفات ولا ثقة على الاطلاق بين ادارة بوش وعرفات والقليل منها بين اميركا وحلفائها ولا ثقة حتى داخل الادارة نفسها. وهو امر يجعل ذلك النوع من المفاوضات السرية التي نجحت في الماضي مستحيلا. فالدبلوماسية السرية كما قالت الصحيفة تنجح عندما يعترف القادة بوجود فرصة لعقد اتفاق قبل من يأتي بعدهم مما يمكنهم من العمل على التفاصيل بحرية وبعيدا عن اللغط وعن النقاش العام.
ثم ذكرت الصحيفة بثلاثة نماذج على ذلك في الشرق الاوسط: اولها المحادثات الاسرائيلية الفلسطينية التي استمرت سنة ونصف السنة ومهدت الطريق لاتفاقات كامب ديفيد في عام 1979 ثم المحادثات الاسرائيلية الفلسطينية التي اجريت في سرية تامة في اوسلو واخيرا سنوات الاتصالات واللقاءات السرية بين ملك الاردن السابق ورئيس الوزراء الاسرائيلي اسحاق رابين في اوربا قبل توقيع معاهدة السلام في عام 1994 بين البلدين. وكانت السرية في هذه الحالات وسيلة لبناء الثقة واختبار تلاؤم المواقف ثم ان المبادرة جاءت من الاطراف نفسها وليس من الولايات المتحدة. بينما لا يمكن ان يفكر عرفات وشارون اليوم في التنكر في زي بدوي كما فعلت غولدا مائير عندما زارت ملك الاردن عبد الله في فترة نشوء اسرائيل كما اكدت الصحيفة التي مضت الى القول: من المتوقع ان يدلي الرئيس بوش بتصريح عن السياسة في الشرق الاوسط في غضون هذا الاسبوع في اقل تقدير. ومن المحتمل انه سيبدد الغموض عن موقف اميركا ويطرح صيغة للمحادثات ترضي جميع الاطراف. الا انه إن وجد الامر صعبا فسيختار ولا شك الطريق الذي اختاره ايزنهاور في عام 1958 ازاء الصين عندما تعمد الغموض وبث الحيرة والاضطراب ووفقا لما ورد في صحيفة نيويورك تايمز.

على صلة

XS
SM
MD
LG