روابط للدخول

الملف الثاني: عسكريون أميركيون يدعون إلى موقف أكثر حذراً


دعا عسكريون أميركيون إلى موقف أكثر حذراً كما جاء في التحقيق التالي الذي أعده مراسل إذاعة أوروبا الحرة (جيفري دونافان) وتعرضه (ولاء صادق).

عندما قام الرئيس الاميركي بجولة في اوربا الشهر الماضي اُستقبل من بين ما استقبل به باحتجاجات في الشوارع على لهجته الحربية ازاء العراق وعلى الفكرة واسعة الانتشار بان البيت الابيض قد يسعى الى مهاجمة بغداد. لكن مراسل اذاعة اوربا الحرة اذاعة الحرية، جيفري دونوفان، كتب لنا تقريرا قال فيه إن معارضة الحرب على العراق ربما تنمو في مكان غير متوقع في الطرف الاخر من الاطلسي.... اي داخل الجيش الاميركي. وفي ما يلي نقدم لكم عرضا لهذا التقرير:
رغم قوله الا خطط لديه على مكتبه، أكد الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش التزامه بان تبلغ سياسة اميركا الخاصة بتغيير النظام في العراق نهايتها المنطقية وهي اخراج الرئيس صدام حسين بالقوة ان اقتضت الضرورة.
ولكن ورغم معارضة الحلفاء الاوربيين وروسيا الشديدة لاي هجمة تقودها الولايات المتحدة على العراق فان اكثر الانتقادات التي توجه الى هذه الفكرة تصدر في الواقع من الحديقة الخلفية لمنزل الرئيس بوش اي من كبار قادته العسكريين.
ويقول المحللون والاعلام الاميركي ان نقاشا حادا يدور داخل البنتاغون بين القادة المدنيين والقادة العسكريين يتركز حول نقطتين اساسيتين وهما تهديد بغداد والجهود المطلوبة لازاحة صدام واعمار البلاد مع حكومة ديمقراطية صديقة.
ويقول المحللون ايضا ان هذا الجدال يتزامن مع تردد متنامي داخل وزارة الخارجية الاميركية ازاء حرب تقودها الولايات المتحدة ضد العراق باعتبار انها ستكون مكلفة جدا وستشتت انتباه الدبلوماسية الاميركية عن قضايا دولية اكثر الحاحا مثل ازمتي افغانستان والشرق الاوسط على سبيل المثال لا الحصر.
وتقول ميشيل فلورنوي وهي مسؤولة سابقة في البنتاغون وباحثة في مركز واشنطن للدراسات الستراتيجية والدولية:
"رغم وجود اتفاق سياسي واسع في الاراء على الحاجة الى تغيير النظام في العراق، ما يزال هناك نقاش جوهري يدور في واشنطن وفي الولايات المتحدة عما اذا كان العمل العسكري هو الطريقة الصحيحة لتحقيق هذا الهدف".

ويعتقد القادة المدنيون في البنتاغون ان خطر الحاق صدام حسين ضررا بالولايات المتحدة ربما من خلال تسليمه اسلحة دمار شامل الى الارهابيين، انما هو خطر حقيقي ووشيك.
وقد تم التأكيد على هذه الفكرة التي شاعت في واشنطن منذ هجمات الحادي عشر من ايلول الارهابية، يوم الثلاثاء الماضي، عندما اخبر وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد الصحفيين خلال زيارة له الى دولة قطر بان تغيير النظام في العراق امر مهم جدا. واضاف "لديهم اسلحة دمار شامل وهم يطورون اسلحة بيولوجية".
الا ان العديد من جنرالات البنتاغون لا يتفقون مع قادتهم المدنيين على كون الخطر العراقي وشيكا. وقال كين بولاك وهو عضو سابق في مجلس الامن القومي في عهد ادارة الرئيس كلنتون، قال إنهم يعتبرون أن ليس هناك حاجة الى عمل عاجل انطلاقا من الاعتقاد بان صدام لن يحصل على اسلحة نووية قبل مرور ثلاث او خمس سنوات اخرى. ثم وصف النقاش الدائر بالقول:
"هناك من جهة فكرة تقول إن صدام حسين هو اخطر شخصية في العالم وان علينا التخلص منه حالا. وهناك فكرة اخرى، وانا اميل اليها اكثر، تقول إن صدام حسين يمثل خطرا كبيرا على الولايات المتحدة الا انه ليس خطرا مباشرا. بل هو خطر على المدى البعيد".
هذا وقد اوردت الصحافة الاميركية تقارير عن ان هيئة قيادة عسكرية كبرى وهي قيادة القوات المشتركة بذلت جهودا وراء الكواليس لاقناع ادارة الرئيس بوش بالعدول عن موقفها ازاء العراق وهو موقف يُظهر ان الحرب على العراق امر حتمي.
ووفقا لهذه التقارير أصر جنرالات اميركا الكبار، ويشمل ذلك تقريرا سريا رفعه الى الرئيس بوش الشهر الماضي، الجنرال تومي فرانكس، الذي قاد حرب افغانستان، اصروا على ان اي جهد لاسقاط صدام حسين سيتطلب اكثر بكثير مما تم تخمينه من القوة الجوية الاميركية ومن القوات. وذُكر ان فرانكس اخبر الرئيس بوش بان الامر سيتطلب اكثر من مائتي الف من الجنود الاميركيين وأنه يجب توقع لجوء صدام الى استخدام الاسلحة الكيمياوية والبيولوجية مما سيؤدي الى وقوع خسائر كبيرة.
ووفقا لهذه التقارير الصحفية، لم تشر هذه التقارير السرية الى امكانية اللجوء الى ما كان يعتبر منذ زمن بعيد خيارا اخر لاسقاط صدام اي قيام انقلاب داخل حلقة النظام الحاكم وخاصة من بين الضباط الهاربين. ويقول بعض المحللين ان هذا الخيار قد يكون اصعب من حرب شاملة.
ويأتي تقييم فرانكس ردا على دعوات سابقة اطلقها هذا العام عدد من خبراء الدفاع لتطبيق انموذج افغانستان على العراق بكل بساطة اي ان تقوم القوة الجوية الاميركية بمساعدة قوات المعارضة المحلية البرية باسقاط الحكومة.
ويتفق روبرت بيلليترو وهو مساعد سابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط في عهد الرئيس كلنتون، يتفق وراي فرانكس بان حربا تعتمد الانموذج الافغاني لن تنجح. ويقول بيلليترو إن صدام حسين سحق كل حركات المقاومة المسلحة وكانت نتيجة ذلك معارضةٌ عراقية ممزقة وضعيفة ولا يمكن الاعتماد عليها في دعم عمل عسكري. واضاف:
"لا يعني هذا ان علينا الا ندعمهم. ولكنني اعتقد ان اعتبارهم نوعا من تحالف الشمال العراقي القادر على شن حرب على النظام، سيكون امرا غير حكيم. لا اعتقد بامكان ذلك".
وهناك مسألة اخرى اثارها الجنرالات وهي ما العمل في العراق بعد اسقاط صدام حسين. ويتحدث العديد من المحللين عن كلفة وخطورة احتلال عسكري اميركي للعراق باعتباره امرا ضروريا لتمهيد الطريق امام حكومة ديمقراطية جديدة.
ولكن ومع تعامل الولايات المتحدة والمجموعة الدولية مع وضع مشابه في افغانستان ومع عدم التمكن، وفقا لما يرى البعض، من تحقيق السلام هناك بسبب عدم دعم قوة حفظ للسلام في البلاد فان الحملة على العراق ستبدد الموارد الدبلوماسية والعسكرية الاميركية. او هذا ما يعتقده البعض.
ولذا ذُكر ان القيادة المشتركة طلبت من الرئيس بوش ومن مسؤولين اخرين كبار تأجيل اي عمل عسكري ضد العراق ان لم يكن الغاءه تماما.
وتنبع مصادر قلقهم من سياسة الولايات المتحدة العسكرية نفسها منذ حرب فيتنام في الستينات وفي السبعينات.
اذ خرجت القيادة العسكرية من ذلك الصراع الذي خسرت فيه الافا من الجنود وتعرضت فيه الى انتقاد شعبي عام، خرجت بحالة من المرارة مما اعتبرته تلك القيادة، قيودا فرضها السياسيون في واشنطن على عملياتها.
ونتيجة لذلك ظهرت السياسة المعروفة باسم "مذهب باول" نسبة الى وزير الخارجية الحالي كولن باول. ويقول هذا المذهب إنه يجب عدمُ خوض حرب الا عند الحصول على كامل الدعم من الشعب الاميركي ومن الحكومة وتزويد الجيش بالقدرة على تحقيق النصر وبأقل الكلف ووضع ستراتيجية واضحة للخروج.
وتقول فلورنوي إنه بينما حقق الجيش الامركي بعض النجاح من خلال اتباعه مذهب باول الا انه اُقحم ايضا في صراعات من قبل قادة الحكومة الذين لم يفوا بالمتطلبات السياسية. مثلما كان الحال مع التدخل الاميركي الفاشل في الصومال في بداية التسعينات. وتقول فلورنوي إن الجنرالات لا يرغبون في تكرار مثل هذه التجارب قدر الامكان:
"اعتقد ان العسكريين يميلون الى وجهة نظر محافظة. فهم يريدون التأكد بشكل كامل وانطلاقا من تجربتهم في فيتنام وفي الصومال وفي اماكن اخرى، يريدون التأكد من انهم يقومون بمهمات تتمتع بدعم سياسي قوي وصلب. وهم لا يريدون التعرض الى انتقاد الراي العام وحتى الراي العام الدولي بكل صراحة".

وقال بولاك من جانبه:
"اعتقد ان المعارضة داخل البنتاغون مهمة. واعتقد ان هناك اسئلة تطرح بالفعل عما اذا كنا راغبين في دفع الثمن والمخاطرة بتغيير النظام في العراق".

ولكن اذا كان الجنرالات يعتبرون مذهب باول اساس اي عمل ضد العراق فهناك اشارات على ان القادة المدنيين قد يتغلبون عليهم من خلال وضع مذهب ستراتيجي جديد كامل.
فخلال هذا الاسبوع اوردت الصحافة اخبارا عن خطط للبيت الابيض لوضع مذهب ستراتيجي جديد ينقل الجيش من سياسة الردع والاحتواء التي تميزت بها فترة الحرب الباردة الى سياسة تسمح بتوجيه ضربات وقائية الى الارهابيين او الى الدول المعادية التي تملك اسلحة دمار شامل.
وقد اشار الرئيس بوش الى فكرة الضربات الوقائية لاول مرة في خطابه عن حال الاتحاد في شهر كانون الثاني عندما وصف العراق وايران وكوريا الشمالية بمحاور الشر وتعهد بالا تنتظر اميركا حتى تتعرض الى هجوم اخر، لا سيما باسلحة نووية، كي توجه ضربة الى العدو.
الا ان المحللين من امثال فلورنوي يقولون إن مذهب الضربات الوقائية ورغم كونه مذهبا مفهوما على الصعيد الامني في عالم ما بعد الحادي عشر من ايلول، الا انه قد يكون ايضا جزءا من محاولة يبذلها القادة المدنيون للتغلب على مقاومة الجنرالات لعمل ضد العراق. وقالت:
"اعتقد ان الادارة ربما كانت تحاول تهيئة الراي العام لعمل عسكري ضد العراق. اذ ما يزال هناك التزام قوي داخل الادارة بتغيير النظام في العراق وبالقوة اذا ما تطلب الامر ذلك. واعتقد ان بعض هذه التصريحات ربما تحاول التمهيد لهذا الامر".

في نهاية الامر سيكون على ادارة الرئيس بوش ان تقرر ان كانت ستمضي الى الحرب ام لا. الا ان وجهات نظر الجنرالات مهمة ولا شك وعلينا ان ننتظر ونرى ان كان المذهب الستراتيجي الجديد سينتهي الى تليين مطالب قيادة القوات المشتركة التي تتبع مذهب باول.
واخيرا هناك وزارة الخارجية ايضا والتي لها تاريخ في توتر العلاقات مع المؤتمر الوطني العراقي وهو مجموعة المعارضة العراقية الرئيسية. ومن المعتقد ان وزارة الخارجية تفتقد الى الثقة في المؤتمر الوطني وانها وسعت اتصالاتها كي تشمل تشكيلة اوسع من جماعات المعارضة في تحرك يقول بعض المحللين إنه قد يهمش قيادة المؤتمر التي مقرها لندن والتي تتمتع بتأييد البعض داخل الكونجرس الاميركي.
ويشير ما ورد في مقترحات القيادة المشتركة الى مشكلة مصداقية المؤتمر الوطني: اي ان حربا على العراق لا يمكنها الاعتماد على قوات معارضة محلية.
الا ان بولاك يقول إن تردد وزارة الخارجية في الموافقة على حرب ضد العراق يعود جزئيا الى اعتبار اخر وهو ان الحرب ستصبح المبادرة الاساسية في سياسة الولايات المتحدة لمدة عام واحد في الاقل ان لم يكن لاعوام.
وفي ضوء ذلك توسع وزارة الخارجية من جهودها بالسعي الى تحقيق السلام في الشرق الاوسط ومساعدة الديمقراطية في روسيا واشراك الصين وانشاء علاقات جديدة مع الهند ومحاربة الايدز في افريقيا وقد تصبح هذه كلها اولويات ثانوية مقارنة بمهمة الحرب الكبرى واثارها.
وفي هذا الصدد يقول بلليترو إنه بينما لا تحل سياسة الاحتواء المشكلة الاساسية المتعلقة بالمخاطر التي يمثلها صدام الا انه يجب شد حزام الاحتواء بكل قوة حوله حتى تحصل الولايات المتحدة على الدعم الاقليمي والدولي الكافي لعمل اوسع لتغيير النظام في العراق.

على صلة

XS
SM
MD
LG