روابط للدخول

الملف الثاني: الملامح الرئيسة للعقيدة الاستراتيجية الأميركية الجديدة


صحيفة واشنطن بوست نشرت مقالاً جاء فيه أن مجلس الأمن القومي للرئيس بوش يصوغ الآن الملامح الرئيسة للعقيدة الجديدة التي يتوقع أن تعلن الخريف المقبل. (سامي شورش) يعرض في الملف التالي لهذا المقال.

تطور إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عقيدة استراتيجية جديدة يتم بموجبها التخلي عن دعائم العقيدة العسكرية الأميركية في فترة الحرب الباردة التي كانت تقوم على الإحتواء والردع، وتتبنى إنتهاج سياسة الهجمات الوقائية ضد الارهابيين والدول المعادية التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل.
صحيفة واشنطن بوست نشرت في هذا الإطار مقالاً لمعلقيها السياسيين توماس ريكس وفيرنون لووب، جاء فيه أن مجلس الأمن القومي للرئيس بوش هو الجهة التي تتولى صياغة العقيدة الجديدة التي من المتوقع أن يعلنها المجلس في الخريف المقبل.
واشنطن بوست نقلت عن مسؤول أميركي بارز أن الوثيقة التي ستعلن في هذا الخصوص ستتضمن لأول مرة الى جانب المصطلحات السابقة الاحتواء والردع، مصطلحات أخرى مثل الهجمات الوقائية والتدخل المكثف ضد الدول والمجموعات التي يمكن لها أن تستخدم أسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة.
أشار الرئيس بوش الى مضمون عقيدته الجديدة في خطابه عن حال الإتحاد حينما صنّف العراق وايران وكوريا الشمالية ضمن محور الشر، محذراً من أنه لن يسمح لهذه الدول بتهديد الولايات المتحدة عن طريق أسلحة الدمار الشامل.
واشنطن بوست نسبت الى المسؤول الأميركي نفسه أن الجيش وأجهزة الاستخبارات الأميركية مضطران الى إدخال تعديلات أساسية على بنيتهما التاريخية نتيجة تبني العقيدة الجديدة في إطار الأمن القومي.
وهذا في الواقع هو ما يؤدي الى بروز نقاشات ساخنة في أروقة الإدارة وبين المحللين العسكريين في شأن ضرورة أو عدم ضرورة هذه التغييرات ومدى درجة الواقعية في تبني عقيدة الهجمات الوقائية.

--- فاصل ---

تواصل واشنطن بوست في المقال أن هناك إتفاقاً عاماً على أن تبني الهجمات الوقائية هو في حقيقته تحول حاد من عقيدة الاحتواء والردع التي سادت طوال نصف قرن الماضي وقام على فكرة مفادها أن العدو لا يمكن أن يهاجم الولايات المتحدة نظراً لخشيته من رد فعل أميركي حاسم وقوي وشامل.
مسؤولو إدارة الرئيس بوش ممن ينهمكون في رسم العقيدة الجديدة، يؤكدون أن الولايات المتحدة إضطرت الى تجاوز عقيدة الاحتواء والردع منذ هجمات الحادي عشر من ايلول الماضي. والسبب أن هذه الهجمات أوضحت درجة التهديدات التي أصبحت تشكلها المجموعات الارهابية والدول المعادية التي تؤيدها.
في هذا الإطار نقلت واشنطن بوست عن مسؤول أميركي بارز أن طبيعة الأعداء تغيرت، وطبيعة التهديدات تغيرت، وهذه التغييرات تفرض ضرورة تغيير عقيدة الرد، لافتاً الى ان الارهابيين لا أراضي لديهم للدفاع عنها، ما يجعل من غير الواضح كيفية ردع الهجمات التي تعرضت لها واشنطن ونيويورك.
أثارت العقيدة الجديدة نقاشاً مكثفاً داخل وزارة الدفاع الأميركية وبين المسؤولين عن الاستراتيجية العسكرية لأميركا حول مدى الحكمة في تبني الهجمات الوقائية ضد شبكات الارهاب أو الدول المالكة لأسلحة الدمار الشامل.
واشنطن بوست قالت إن الموضوع ذاته يثير قلق حلف شمال الأطلسي أيضاً. وكان وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد واضحاً في حضه الدول الثماني عشر الأعضاء في الحلف الخميس الماضي أن الحلفاء يجب أن لا ينتظروا الحصول على أدلة قاطعة للهجوم على المجموعات الارهابية أو الدول المعادية التي تهدد الأمن والسلام عن طريق ما تملكه من أسلحة نووية وكيمياوية وبايولوجية.

--- فاصل ---

واشنطن بوست نقلت عن المحلل العسكري الأميركي هارلان أُولمان أن عقيدة الهجمات الوقائية جذابة في ظاهرها، لكن كلما تعمقت فيها تجد أنها تتعقد أكثر وتصبح خطرة أكثر.
وتابعت الصحيفة الأميركية أن الإنتقادات تشير أيضاً الى أن الهجمات الوقائية ستؤدي الى إنتشار العناصر الكيمياوية والبايولوجية، إضافة الى الإشعاعات النووية في الفضاء، ما يؤدي الى مقتل الألوف من الناس لا في الدولة المستهدفة فحسب، بل في الدول المجاورة أيضاً.
الخبيرة السابقة في نزع اسلحة الدمار الشامل في وزارة الدفاع الأميركية ميكيل فلورنوي التي تعمل حالياً في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قالت إن الهجمات الوقائية إذ أريد لها أن تصبح فاعلة فلا بد للولايات المتحدة من أن تشنها بهدف تدمير مخزون الأسلحة لدى الأعداء قبل أن تصل الأزمة الى حالة الحرب الفعلية.
خبراء في وزارة الدفاع الأميركية أكدوا أن الضربة النووية الأولى تشكل أسلحة المحاولة الأخيرة، خصوصاً ضد الأسلحة البايولوجية التي ستدمر بشكل جيد في الحرارة الهائلة التي يولدها الإنفجار النووي. لكن مع هذا يجري التركيز في أميركا على إيجاد طرق جديدة لإستخدام الاسلحة التقليدية لتدمير ترسانات أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الحاملة لها.
من أجل تنفيذ ذلك، تدرس وزارة الدفاع الأميركية كيفية شن غارات من دون تحذير مسبق، تفوق الغارات الجوية السريعة في تأثيرها. والأداة الرئيسية في تنفيذ ذلك هي قوة عسكرية ضاربة مؤلفة من طائرات ستيلث المعروفة بطائرات الشبح وكل الأسلحة والوحدات الأخرى بينها أنظمة رادار وقوات خاصة وغواصات قادرة على إطلاق الصواريخ بعيدة المدى.
واشنطن بوست نقلت عن الخبير العسكري فرانك هوفمان أن عقيدة الهجمات الوقائية تتعارض كلياً مع التراث السياسي والاستراتيجي الأميركي. ففي السابق كانت الولايات المتحدة تنظر الى الهجمات المباغتة أو التسللية بإعتبارها أساليب غير صادقة وغير مشرّفة تُفرض في بعض الحالات على الأميركيين ولا تنبع من خياراتهم.
مسؤول عسكري أميركي بارز رد على ذلك بقوله إن التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين يجب أن لا تقّوّم على أساس حقائق القرن العشرين. ففي العالم الذي نعيش فيه في الوقت الحالي لا يكفي إنتهاج اسلوب الردع، بل لابد من القدرة والمرونة وإمتلاك هامش واسع من الخيارات.

--- فاصل ---

في السياق ذاته، أشارت واشنطن بوست الى أن العلماء العسكريين ومخططي الحرب الأميركيين يبذلون جهداً استثنائياً كبيراً من أجل تطوير أسلحة وقدرات أميركا العسكرية بشكل يوفر أمام الرئيس بوش خيارات عدة ومختلفة عما كان يمتلكه في السابق.
ففي وكالة الحد من التهديدات التي تأسست عام 1998 بميزانية تفوق مليار ومئة مليون دولار لمواجهة مخاطر أسلحة الدمار الشامل، يدرس العلماء كيفية مهاجمة المخابىء المحصنة العميقة تحت الأرض التي تستخدم لخزن الأسلحة الكيمياوية والبايولوجية وأسلحة شعاعية، وتدميرها بأسلحة تقليدية متطورة.
نسبت الصحيفة الأميركية الى مدير الوكالة ستيفن يونغر أن الولايات المتحدة لم تكن تعرف خلال العقد الماضي في أي حقبة تعيش. لذلك وصفتها بحقبة ما بعد الحرب الباردة. كذلك لم تكن من الواضح في ذلك العقد طبيعة الاسلحة التي تحتاجها أميركا في مواجهتها لصراعات المستقبل. لكن هجمات الحادي عشر من ايلول أزالت الغموض عن كل ذلك. وأوضحت التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة والاسلحة التي تحتاجها لمواجهة تلك التهديدات على حد تعبير ستيفن يونغر الذي اضاف أن وكالته تعمل من أجل تصنيع اسلحة تقليدية متطورة ذات رؤوس حربية قادرة على النفاذ الى داخل المخابىء الكونكريتية الصلدة وتدمير العناصر البايولوجية بحرارتها الهائلة، مؤكداً أن الهدف هو إستخدام أقل ما يمكن من القوات في تحقيق الاهداف المتوخاة. ومضيفاً أن أميركا لا تحبذ اللجوء الى إستخدام الخيار النووي إلا في حالات الضرورة القصوى.
يونغر تابع حديثه مع واشنطن بوست قائلاً إن بعض المخابىء محصنة بشكل كبير ولا يمكن تدمير محتوياتها إلا عن طريق إستخدام اسلحة مشبعة بطاقة نووية عالية، مؤكدا أن إستخدام الاسلحة المشبعة بطاقة نووية منخفضة قد لا يفي بالغرض في هذه الحالات، بل يتسبب في إنتشار العناصر النووية في المنطقة.

--- فاصل ---

واشنطن بوست نقلت عن مسؤول بارز في الادارة الأميركية أن المقصود من ذلك ليس الاستخدام التكتيكي للأسلحة النووية. فالولايات المتحدة لا تفكر في مثل هذا الإستخدام. بل المقصود هو إيجاد نوع من الأسلحة التقليدية المتطورة التي يمكنها أداء العمل على حد تعبير مسؤول عسكري في البنتاغون التي نقلت الصحيفة عن مستشار عسكري فيها إعتقاده أن الرئيس بوش يحاول تهيئة الأميركيين نوعاً من الهجمات العسكرية الوقائية ضد العراق، مرجحاً أن ذلك لا يعني بالضرورة استهداف مواقع أسلحة الدمار الشامل العراقية، بل قد يعني استهداف حقول نفطية عراقية.
لكن مسؤولاً بارزاً في الإدارة الأميركية نفى فكرة ضرب العراق، مؤكداً لواشنطن بوست أن الرئيس الأميركي غير عازم على اعلان حرب فورية ضد العراق في القريب العاجل. لكن واشنطن بوست لفتت الى تصريحات لوزير الدفاع دونالد رمسفيلد الذي تسائل في رده على سؤال حول ما إذا كانت الادارة الاميركية تدرس شن هجوم وقائي ضد دول أخرى تمتلك أسلحة الدمار الشامل، تسائل قائلاً: لماذا إذاً الجواب على سؤال كهذا ما دام في طور الدرس؟

على صلة

XS
SM
MD
LG