روابط للدخول

الحياة العامة في العراق في ظل العقوبات الاقتصادية الدولية والنظام العراقي


صحيفتان أميركيتان تحدثتا في تحقيقين منفصلين من بغداد عن الحياة العامة في ظل العقوبات الاقتصادية الدولية والنظام العراقي. (ولاء صادق) اطلعت على التحقيقين وأعدت التقرير التالي.

في عددها الصادر اليوم كتب مراسل صحيفة لوس انجلس تايمز في بغداد ميكائيل سلاكمان تقريرا عن الاوضاع في العراق قائلا إن تناول المرطبات اصبح من علامات الايام الغابرة عندما كانت الامور جيدة في العراق وعندما كانت هناك طبقة وسطى في المجتمع وعندما كان الاجانب يرسلون اولادهم الى البلاد للدراسة. وتحدث المراسل عن محل الفقمة للمرطبات وقال إن سيارات النخبة تقف امامه للشراء. ثم نقل عن صاحب المحل قوله "انها امور بسيطة يتمتع بها الناس وهي تساعد على تقوية التماسك الاجتماعي بين الناس". وقال المراسل إن هاجس الكولسترول الذي يلاحق الاميركيين امر لا اعتبار له هنا على الاطلاق. بل يزيد بائعو المرطبات من كمية الدسم فيها خاصة في فصل الصيف.
ومضى المراسل الى القول إن الغرب يعتبر العراق بلدا خارجا على القانون وجزءا من محاور الشر التي تحدث عنها الرئيس الاميركي بوش. ولا تمقت الادارة الاميركية رئيسا في العالم قدر مقتها صدام حسين حسب تعبير المراسل. وهذه الامور تهم الشعب العراقي الا انه لا يأبه لما يعتقده الاخرون عنه. فالامر الرئيسي هنا هو ان الناس يجدون صعوبة في عيش يومهم.
وبينما تنشغل واشنطن وبغداد بمناورة احداها الاخرى في لعبة اللوم وتحميل كل منهما الاخرى المسؤولية عن سوء تغذية العراقيين وافقارهم يحاول العراقيون الاهتمام بامورهم المعيشية وتدبير قوتهم كما قال المراسل الذي اضاف إن الحياة صعبة في بغداد بالفعل. فالقوة الكهربائية تنقطع لساعات احيانا وهو امر صعب نظرا لحرارة الجو في البلاد. ولكن العراقيين يصرون على مواصلة حياتهم الاعتيادية قدر الامكان مثل مريض مصاب في عموده الفقري يعتقد انه سيتمكن من السير مرة ثانية على حد تعبير المراسل. وهم ما يزالون يحملون مشاعر التحدي ويصرون على ان الحياة ستعود الى مجراها الطبيعي في احد الايام. أما الان فيمكنهم تناول المرطبات التي قال عنها عبد الحميد وهو طالب هندسة في جامعة صدام "انها مسألة رمزية في الواقع".
ولكن مر وقت على العراقيين لم يكونوا قادرين فيه حتى على الحصول على المرطبات اذ شن العالم حربا على بلادهم وفرض عليها عقوبات اقتصادية بعد اجتياح الكويت مما ادى الى اغلاق جميع المحلات. وكان البلد يتضور جوعا ولم تسمح الدولة للكميات القليلة المتوفرة من الحليب والسكر ان تستخدم في صنع المرطبات او الحلوى. وبعد ست سنوات وافقت الحكومة على برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تعرض الى النقد من الجانبين. اذ اصر الاميركيون على ان العقوبات اضعف من ان تمنع صدام حسين من اعادة بناء اسلحته للدمار الشامل بينما اصر العراق على ان البرنامج يقع تحت ضغط البيروقراطية ولا يلبي احتياجات السكان الا بالكاد. ولكن برنامج النفط مقابل الغذاء ادى في النهاية الى اعادة فتح محلات المرطبات وهو موضوع مهم يتعلق بمستوى المعيشة، ليس فقط في مناطق مثل ساحة الحرية حيث يقع محل الفقمة بل في مدينة صدام نفسها. ومدينة صدام كما قال المراسل تضم مباني كونكريتية من طابقين او من ثلاثة طوابق تطل على شوارع متربة ومليئة بالقاذورات وهي افقر حي في المدينة. والتقى المراسل بفاطمة ياسين البالغة من العمر اثنين وخمسين عاما والتي تناضل كي تعيش بستين الف دينار عراقي تدفع منها اجار مسكنها ومتطلبات الطعام. وقالت فاطمة "صعب علينا الحصول على ملابس جديدة" وهي تشير الى عباءتها التي تغطي جسمها.
ولكن محمد طاهر كما قال المراسل يحقق ارباحا جيدة من محل بيع المرطبات الذي يديره في مدينة صدام. وهو يقع مقابل السوق حيث تذبح الخراف الى جانب مكان عرض الخضروات وحيث تغطي غمامة من الذباب اي شيء لا يتحرك. وقال محمد عاشور البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما " انا آكل المرطبات كل يوم" وكان يقف في الشارع دون حذاء. "آخذ المال من ابي الذي يبيع الفواكه في السوق كل يوم". وقال محمد انه يريد ان يصبح ضابطا في الجيش عندما يكبر لان الضباط حسب قوله "يرتدون زيا جميلا".
وقال المراسل: خلقت العقوبات مشكلة تتعلق بسوء التغذية في العراق وخاصة في الجنوب الذي تبدو مدينة صدام مقارنة به مدينة جيدة الى حد ما. وما تزال المشكلة قائمة وقد حذر مكتب منظمة اليونسيف في بغداد من ان اي خلل في توزيع الاغذية في العراق سيؤدي الى حدوث حالة فوضى وحتى الى حالة مجاعة واسعة.
ولكن محل الفقمة يبيع المرطبات في الوقت الحالي بكميات كبيرة قد تثير غيرة اي محل اخر في الغرب كما قال المراسل. وهو يستخدم الافا من غالونات الحليب كل يوم خاصة في فصل الصيف.

--- فاصل ---

اما صحيفة شيكاغو تربيون فنشرت في عددها امس تقريرا كتبه مراسلها من بغداد هوارد وت قال فيه إن على كل شخص يتوجه الى العراق ان يعرف امورا قد لا تخبره بها وكالات السفر. فالعراق بلد جميل يجمع بين سحر كوريا الشمالية وجمال الصحراء وضيافة السودان الا ان على الزائر ان يتهيأ لامور اخرى ايضا. فمثلا على المسافر ان يأخذ معه اي شيء لن يزعجه التخلي عنه اذا ما صودر في العراق. خاصة آلات التصوير والتلفونات والكومبيوترات المحمولة او اي شيء اخر قد يعتبر هناك جهاز تجسس. والاهم من هذا كله هو ان يأخذ نقدا لانه سيتعرض الى مصادرة امواله بمعدل عدة مئات من الدولارات كل يوم. أما بطاقات الاعتماد في البنوك فلا حاجة له بها لانها لا تستخدم هناك.
وقال المراسل: عندما يصل المرء الى مطار صدام لا يرى لوحة مكتوب عليها "اهلا وسهلا بكم في العراق" بل يقرأ جملة "تسقط اميركا" على ارضية المطار. ثم ما ان ينتهي من قسم فحص الجوازات حتى يلاقي رجلا يرتدي ملابس مختبرات بيض يختار من يشاء من المسافرين كي يجري عليه فحص الايدز ولا يستخدم حقنا تستعمل لمرة واحدة. وبعد استلام الحقائب يمر المرء بنقطة التفتيش وهناك سيتعلم كلمته العربية الاولى وهي بغشيش. وهو تعبير يستخدم بمعناه الحقيقي في بقية انحاء العالم اما في العراق فيعني "اهلا وسهلا" "نحن سعداء برؤيتك" لان الجميع يقولها امامك مع ابتسامة عريضة.
اما اين يقيم الزائر فغالبية السواح يختارون فندق الرشيد وفيه نشاهد صورة للرئيس الاسبق جورج بوش على ارض المدخل قبل الصالة التي تنتشر فيها صور صدام حسين ولكن ليس على الارض. وفي فندق الرشيد كاميرات للمراقبة في كل طابق وماء حار وبارد. وستدفع مقابل الافطار المكون من بيض مسلوق ومن خبز ومن قطع طماطم فاسدة خمسة وثلاثين دولارا تضاف الى حسابك.
اما عن الطعام ففي بغداد مطاعم كثيرة وفيها اطعمة متنوعة.
وفي بغداد ايضا مباني كثيرة كلها مبنية بالكونكريت على الطراز السوفيتي ولكن على الزائر ان يشاهد المتاحف ايضا. ومنها ملجأ العامرية الذي قصفته القوات الاميركية خلال حرب الخليج واحترق فيه اكثر من اربعمائة امرأة وطفل كما يقول الدليل وهو يشير الى قطع اللحم البشري التي ما تزال ملتصقة بالجدران وبالسقوف.
أما متحف صدام فهو افضل كما قال المراسل. اذ ترى فيه كل سلاح وكل مسدس وكل بندقية وكل منظار استخدمه الرئيس. وفي احدى القاعات يرى الزائر الهدايا التي استلمها من رؤساء الدول ومن الوجهاء على مدى عقود منها تيشرتات قطنية رخيصة الثمن ما تزال مرزومة اهداها اياه الرئيس فيديل كاسترو.
وافضل ما في المتحف هو نسخة من القرآن الكريم كتبت بدم صدام حسين. وفي الواقع ووفقا لاحدى مسؤولات المتحف فهذه النسخة ليست الاصلية وهي لا تعرف بدم من كتبت. اما الاصلية فمحفوظة في احد الجوامع. واخر محطة في الجولة ستكون السفارة الاميركية وهي ليست متحفا في الواقع كما قال المراسل. وفيها اربعة دبلوماسيين بولنديين يضيئون الانوار في القسم المعروف الان باسم قسم رعاية المصالح الاميركية وذلك لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين العراق والولايات المتحدة.
وكان الزمن قد توقف داخل السفارة الاميركية في شهر كانون الثاني من عام 1991 عندما بدأت حرب الخليج كما قال المراسل. ويمكننا ان نرى فيها مجلات تعود الى احد عشر عاما ملقاة على الطاولات وخريطة للاتحاد السوفيتي على الجدار وسيارة شوفر قديمة في الكراج. اما صورة الرئيس بوش القديمة فقد عوضتها صورة لابنه. وهي معلقة على الجدار.

على صلة

XS
SM
MD
LG