روابط للدخول

مراجعة لتحقيق صحفي أميركي حول الأوضاع في العراق


تقول الأسبوعية الأميركية Time إن الولايات المتحدة راغبة في تصوير النظام العراقي بأنه متزعزع، ولكنها تشير أيضا إلى أن تقاريرها من داخل العراق توحي بأن قبضة صدام حسين لا تبدو ضعيفة. فلقد نشرت المجلة في عددها الأخير تحقيقا لمراسلها الزائر في بغداد (Johanna McGreary) عن الأوضاع في العراق بعنوان (داخل عالم صدام)، نقدم لكم فيما يلي، مستمعينا الكرام، مراجعة لأهم ما تضمنه التحقيق ضمن حلقة هذا الأسبوع من برنامج (في دور الفكر والنشر).

تقول المجلة إن الغرب منهمك منذ سنين في محاولة فهم نفسية صدام، ولقد ظهرت عبر هذه السنين بعض التفاصيل الخصوصية عنه. فهو لا ينام أبدا في قصوره الفخمة، بل ينتقل كل ليلة إلى بيت سري أو حتى إلى خيمة، ويدخن السيجار الكوبي الذي يزود به Fidel Castro، ويستخدم الصبغة السوداء لإخفاء الشيب في شعره، ويعرج قليلا أثناء سيره نتيجة معاناته المزعومة من متاعب في ظهره، ولكنه يبدو رغم ذلك – وهو واقف أو جالس أمام كاميرات التلفزيون – في حالة جسمية طيبة. فلقد تخلى تماما عن ارتداء الزي العسكري ولا يظهر إلا وهو يرتدي بذلة مدنية أنيقة بالغة الدقة في خياطتها.
وتؤكد المجلة أن صدام يفتقر إلى معلومات مفصلة عن الغرب وأنه يحيط نفسه برجال لا يخبرونه إلا عما يريد سماعه، ولكنه يظهر في الوقت ذاته تشوقا إلى الاطلاع على بعض ما يرد في من معلومات. فهو يتابع البرامج الإخبارية التي تبثها شبكتا CNN الأميركية و BBC البريطانية، وتعجبه أفلام التشويق الأميركية، وهو معجب بستالين وMachiavelli.

--- فاصل ---

ويتابع التحقيق أن كل ما يحيط بصدام يتسم بالمتناقضات، فمن المعروف أنه يحيط نفسه بتدابير أمنية مبالغ فيها، ولكنه – حين استضاف الممثل المصري محمد صبحي في أحد قصوره العام الماضي – بدت الإجراءات الأمنية في حالة استرخاء تام. وتنسب المجلة إلى محمد صبحي انطباعه عن هذه المناسبة قوله: أكد لنا صدام أن كل عراقي يعتبر نفسه منتصرا وبكامل كرامته. لم نخسر أي شيء على الإطلاق، ونرفض أن نهان أمام الأميركيين – حسب تعبير الرئيس العراقي الوارد في التحقيق.
ويشير التحقيق أيضا إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أعدت للرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب دراسة نفسية لصدام حسين، لم يطرأ عليها تعديل في جوهرها منذ ذلك الحين. فلقد توصل المحللون – بحسب المجلة - إلى أن صدام شخصية مستقرة وأنه صاحب قرارات محسوبة ومتزنة، ولم يتوفر لديهم ما يشير إلى أنه يعاني من مرض عقلي، وفي الوقت الذي لم يتسم فيه بالرعونة، إلا أنه كان مرتاحا في فرض السلطة المطلقة مع استخدام العنف السافر والمجازفة. المحللون وصفوه أيضا بالحذر والانتهازية، مشيرين إلى أنه لا يعتمد سوى على نفسه في اتخاذ القرارات، ولكن إحساسه بأهمية رسالته قد تؤدي إلى تشويه حكمة هذه القرارات.

--- فاصل ---

وتتابع المجلة أن صدام حسين لم يعتبر نتيجة حرب الخليج هزيمة له، وإنما نصرا، فلقد تمكن من البقاء في السلطة رغم طرده من الكويت. وبعد مضي عقد من الزمن على نهاية الحرب – تعرض خلاله إلى عقوبات اقتصادية صارمة، ونجح في خداع مفتشي الأمم المتحدة – تمكن صدام أخيرا من إخراج العراق من عزلته بدرجة كبيرة.
وفي الوقت الذي تتدفق فيه مختلف أنواع البضائع على العراق لاحظت المجلة زيادة في دخل المواطنين تمكنهن من دفع أثمانها. ويروي المقال أن أحد سكان بغداد – اختار له الكاتب اسم يوسف – كان في 1998 يعمل سائق سيارة أجرة قديمة ويسكن دارا خالية نتيجة اضطراره إلى بيع أثاثه من أجل إطعام أطفاله الخمسة. أما اليوم – بحسب التحقيق – فلقد تحول يوسف إلى شريك في أسطول من الحافلات الصغيرة المخصصة لنقل الركاب والبضائع من وإلى عمان ودمشق وبيروت، وينقل عنه قوله: الحياة اليوم أفضل بكثير مما كانت عليه سابقا، فبات لدينا بعض النقود، ونملك دارا حديثة، ويتمتع أطفالي بصحة جيدة.

--- فاصل ---

وكان صدام – استنادا إلى المجلة – يستغل معاناة شعبه دون رحمة، بهدف تقويض العزيمة الدولية إزاء استمرار الأمم المتحدة في فرض العقوبات على بلاده. أما الآن فلقد حول توجهه نحو تحقيق هدف آخر، وهو الحيلولة دون تحرك هؤلاء العراقيين المعانين إلى التمرد ضده، ما جعله ينفق أموال مبيعات النفط الشرعية والمهربة على عامة الناس، بدلا من تخصيصها لشراء ولاء المقربين منه.
وينسب التحقيق إلى المنشق العراقي (خضر حمزة) – الذي كان يدير برنامج صدام حسين لتطوير القنبلة النووية حتى فراره في 1994 – قوله في كتابه (صانع قنابل صدام) إن وسيلة الرئيس العراقي للاحتفاظ بالسلطة كانت تستند دائما إلى مبدأ الجزرة والعصا. فالمغريات، مثل عضوية النوادي، والسيارات الحديثة، والبيوت الفخمة، والسفر إلى الخارج، والمشروبات الروحية المستوردة، كانت على الدوام سبل احتفاظ صدام بولاء من يحتاجهم لحمايته ولتحقيق مصالحه. أما التعذيب والسجن والإعدام فمن نصيب من يقصر أو يسيء.

وتروي المجلة قصة من أسمته (العقيد حمادي) بقولها إنه كان آمر كتيبة دبابات في الفيلق العراقي الثالث، قبل القبض عليه بتهمة الارتباط بأحد الأحزاب المعارضة. وتروي عن حمادي – الذي ينفي هذه التهمة – أنه أمضى عشرة أشهر معتقلا لدى استخبارات صدام العسكرية، وتعرض إلى التعذيب عدة مرات في الأسبوع، وتنسب إليه أنهم كانوا يعلقونه من مروحة سقفية بهدف إجباره على الاعتراف بما هو ليس صحيحا. ثم تمكن (العقيد حمادي) – بحسب التحقيق – فور الإفراج عنه في الربيع الماضي، من الفرار إلى شمال العراق حيث المنطقة الكردية التي تحميها الطائرات الأميركية والبريطانية. ولكن حمادي اضطر إلى ترك عائلته في بغداد، وبلغه أخيرا أن السلطات العراقية فبضت على والده، وتنقل المجلة عن حمادي قوله بمرارة: إذا كنت ضدهم، فهذا يعني أن كل واحد من أقربائك معرض إلى الخطر. أما عن العراقيين العاديين فتقول المجلة إن 30 عاما من حكم صدام زرع في نفوسهم نمطا من ردود الفعل الكفيلة بالبقاء، فهم يبدون منهكين ويائسين وخائفين ممن حولهم بدرجة تحول دون تأملهم التورط في مؤامرات جادة.، كما أنهم لا يتوقعون أي خير من المنفيين المعارضين الذين يحيكون المؤامرات في الخارج.

--- فاصل ---

ويتابع مراسل Newsweek في مقاله أن صدام – شأنه في ذلك شأن الزعيم السوفيتي الراحل Stalin الذي يعتبره بطلا – يجد في امتلاك أسلحة الدمار الشامل وسيلة للوصول إلى المكانة الدولية التي يتوق إليها، ويعتبر أن قنبلة ذرية مركبة على صاروخ بعيد المدى تجعل من مالكها قوة دولية. أما الجراثيم الفتاكة والغازات السامة فتحوله إلى قوة دولية مخيفة. لذا – تقول المجلة – فلقد ضحى صدام بسلامة شعبه وبمليارات الدولارات من الموارد النفطية من أجل الاحتفاظ بما كان لديه من هذه الأسلحة قبل حرب الخليج، والاستمرار في السعي إلى اقتناء الجديد منها، الأمر الذي يتيح له إبقاء جميع الخيارات ممكنة. ولكن – تضيف المجلة – ما من أحد يعلم – ولا حتى صدام نفسه - ما الذي سيفعله بها.
ويضيف المراسل في تحقيقه أن صدام يعمل جاهدا في هذه الآونة من أجل تقويض التأييد الدولي لهجوم قد تشنه الولايات المتحدة عليه، وذلك بالاستناد إلى أسلحته الدبلوماسية. فلقد وجد الرئيس العراقي في الأزمة الفلسطينية قضية ساخنة يمكنه استغلالها والتركيز عليها. كما تمكن من نيل إعجاب الناس على نطاق واسع في الداخل وفي العالم العربي نتيجة تبرعه بـ 25000 دولار لعائلة كل فلسطيني ينفذ عملية تفجير انتحارية، ولكل عائلة فلسطينية أصبحت بلا مأوى نتيجة الاقتحام الإسرائيلي لمخيم جنين الشهر الماضي. ونجح صدام أيضا – بحسب التحقيق – في تعزيز سمعته في كونه القائد العربي الوحيد الذي يقف في وجه أميركا ويتحدى إسرائيل.
وتمضي المجلة إلى أن صدام نجح دائما في شق طريقه عبر الظروف القاسية الكفيلة بإحباط عزيمة أي زعيم آخر. أما إذا لجأت الولايات المتحدة فعلا إلى شن هجوم على العراق فسوف يكرس صدام حسين – استنادا إلى تحقيق مجلة Time – كل جهوده من أجل البقاء واجتياز العاصفة، أملا منه في تعثر الهجوم وفي تحول العالم ضد الأميركيين قبل تمكنهم من القضاء عليه.
وتخلص المجلة إلى أن صدام سيستمر – إلى حين حدوث تلك المواجهة – في ممارسة سلطته من الخبايا المظلمة التي تحميه من أعدائه الكثيرين، فطالما بقي حيا سيعتبر صدام حسين مرور كل ذكرى لميلاده نصرا عظيما جديدا يتبجح به.

على صلة

XS
SM
MD
LG