روابط للدخول

الملف الثاني: التفكير العسكري الروسي تجاه الضربة العسكرية الأميركية ضد العراق


رأت أوساط في المؤسسة العسكرية الروسية أن الولايات المتحدة ستواجه مقاومة عراقية ضارية في حال شنت هجوم عليه. ولإلقاء المزيد من الضوء على التفكير العسكري الروسي، أجرى (ميخائيل ألاندرينكو) مقابلة مع خبير في صحيفة (كراسنايا سفيزدا) الناطقة باسم وزارة الدفاع الروسية.

تحدثت صحيفة (كراسنايا زفيزدا / النجم الأحمر) الناطقة باسم وزارة الدفاع الروسية عن احتمالات توجيه الضربة الأميركية إلى العراق. وفيما يلي نعرض عليكم لأهم المحطات الواردة في هذا المقال التحليلي، ثم نلتقي خبيرا في الصحيفة ونحاوره في بعض هذه الطروحات، وفي المواقف الروسية من سيناريوهات الضربة المحتملة ضد العراق.

--- فاصل ---

الصحيفة الروسية قالت إن الولايات المتحدة تنوي شن عمل عسكري ضد العراق الصيف المقبل من أجل إطاحة الرئيس صدام حسين. وافترض المعلق السياسي (فلاديمير لوكوف) الذي كتب المقال أن يكون العمل العسكري الأميركي على ثلاث مراحل. وأوضح أن المرحلة الأولى ستكرَّس لتدمير المواقع العسكرية العراقية، وستشارك في المرحلة الثالثة قوات أميركية خاصة لاعتقال أو قتل صدام، وستكون المرحلة الثالثة لقوات الإنزال.

وتابع المقال أن الولايات المتحدة لا تخفي رغبتها في الحصول على دعم أعضاء حلف شمال الأطلسي أثناء العملية. الأمر لا يقتصر على بريطانيا فقط، ذلك أن وزير الدفاع النرويجي كان قد صرح بأن بلاده سترسل طائرات عسكرية لمساندة واشنطن ضد بغداد. وأشار المسؤول النرويجي بهذا الصدد إلى أن عدد النرويجيين الذين يسكنون في الولايات المتحدة أكبر من عدد سكان النرويج ذاتها. وتابع المقال أن الولايات المتحدة قد تستعين بقواتها المرابطة في آسيا الوسطى وباكستان، مضيفا أن من الممكن استخدام قوات كازاخستانية خاصة لتوجيه ضربة إلى العراق. إضافة إلى ذلك، فإن دولا اشتراكية سابقة مثل بلغاريا ورومانيا عرضت مساعدتها على واشنطن مقابل تعجيل قبولها إلى حلف الناتو.

وفي هذا الإطار، تحدثنا إلى (سيرغي سومبايف) مراقب قسم الخبار الخارجية في صحيفة (كراسنايا زفيزدا)، وسؤالنا الأول إليه – هل ستضرب الولايات المتحدة العراق؟

"هذه المسألة تهمّ الجميع. وكان الأميركيون صرحوا أواخر العام الماضي بعزمهم على ضرب العراق. لكن هذا تحول الآن إلى حملة دعائية. إنهم يتحدثون كل يوم عن ضربة إلى العراق وإطاحة صدام في القريب العاجل. وكان من المقرر توجيهها أواسط أيار الحالي. لكن بعد زيارتين قام بهما إلى الشرق الأوسط كل من نائب الرئيس الأميركي (ديك تشيني) ووزير الخارجية (كولن باول)، يبدو أنه تم تأجيل العمل العسكري ضد العراق. وبات الأميركيون يتحدثون عن أوائل السنة القادمة كموعد لشن الحرب ضد بغداد. لكني أكرر أن هذا يبدو عملا دعائيا في الوقت الراهن لأن الأميركيين يستفيدون من تهويل الأمور داخل العراق وحوله. هكذا تسعى واشنطن إلى إثارة عدم الرضا بين العراقيين."

بعد ذلك انتقل (سيرغي سومبايف) إلى الأسباب التي تدفع بالولايات المتحدة إلى توجيه الضربة ضد العراق. واعتقد الخبير الروسي أنها أسباب اقتصادية أكثر مما تكون سياسية.

"في المقام الأول، تطمح الولايات المتحدة إلى السيطرة على النفط العراقي وبسط نفوذها على المنطقة كلها. ولا يهم الولاياتِ المتحدة ما إذا كان صدام أو شخص آخر يحكم البلاد. ولنعيد إلى الأذهان أن صدام يقود العراق منذ بداية السبعينات. وكان في الثمانينات من أوثق حلفاء الولايات المتحدة في صراعها ضد إيران. الولايات المتحدة كانت تسانده بنشاط حينذاك، ولم يكن هناك أي كلام عن نظامه الدكتاتوري. في ذلك الوقت، كان له الحق في أن يعامل الكرد كما عاملهم وأن يلاحق المعارضة. وظهرت كافة هذه المواضيع في التسعينات فقط، أي عندما بات ذلك مفيدا. وسيناسب الأميركيين أي قائد عراقي ينصاع لإرادتهم ويتوصل إلى اتفاق معهم في مجال الاقتصاد."

ولكن هل يستعيد صدام علاقاته الطيبة السابقة مع الولايات المتحدة؟ وهل سترضى الولايات المتحدة بتطبيع العلاقات مع من تصمه بالدكتاتور؟

"ليس من المحتمل أن يمشي صدام في اتجاه التقارب مع الولايات المتحدة. ذلك أن العراق يظل تحت نظام العقوبات منذ أكثر من عشر سنوات، ويجب ألا ننسى أن جيلا جديدا نما وترعرع في العراق في هذه الفترة يعرف حق المعرفة أن العدو هو الولايات المتحدة. وإذا حاول صدام التصالح مع واشنطن فلن يفهمه الشعب العراقي. لكن يجب الإشارة إلى أن العدو هو ليس الشعب الأميركي بل ما يسمى بحكومة بوش الصهيونية. أنا جلبت عدة جرائد عراقية من بغداد التي كنت فيها مؤخرا، وبعض هذه الصحف تحوي مقالات عن الممثل الأميركي (كيفين كوستنر) وآخر فلم أنتجه هوليوود. مما يعني أن العراقيين لا يكنون الكراهية للولايات المتحدة. هناك البغضُ ضد النظام الحاكم في أميركا والرئيس (جورج بوش) الإبن الذي يواصل ما عمله أبوه ضد صدام."

ولكن إذا قررت الولايات المتحدة توجيه ضربة إلى العراق فهل تتطلب مساندة دول أخرى أو تستغني عنها؟ فثمة أخبار وتقارير تقول إن أميركا لا تستطيع شن الحرب ضد العراق بمفردها بل تحتاج إلى مساعدة من حلفائها في المنطقة. وهنا رأي (سيرغي سومبايف) من صحيفة (كراسنايا زفيزدا) الروسية.

"أغلب الظن أن بعض الحلفاء الأوروبيين سيساعدون الولايات المتحدة. يمكن أن ينضم البريطانيون إلى العملية، فمن المعروف أن لندن تساند حملات واشنطن ضد العراق في السنوات الأخيرة، منها الغارات الجوية. أما السعودية والكويت فمن المشكوك فيه أن يشاركا في العملية الأميركية المقلبة ضد العراق لأن الموفد العراقي تصافح مع كل من المبعوث الكويتي ونظيره السعودي أثناء القمة العربية الأخيرة في بيروت. ويكمن القول إنه تم التوصل إلى اتفاق على عدم وجود أية أطماع عراقية في الأراضي السعودية. ويبدو أن العمل يجري الآن على توقيع معاهدة مماثلة بين العراق والكويت. وكان الأردن مرشَّحا للقيام بمساعدة الولايات المتحدة في الحملة المعادية للعراق. إلا أن عمّان تستلم النفط العراقي بأسعار بخسة، ولا يريد الأردنيون ضياع هذا الوقود الرخيص. لذلك فإني لا أرجّح أن يقف بلد عربي إلى جانب أميركا. من الممكن أن تدعم تركيا الولايات المتحدة. لكن علاقات أنقرة الحالية مع بغداد لا بأس بها. إضافة إلى ذلك، تركيا أثارت غضب الدول العربية بمحاولتها عقد تحالف مع إسرائيل في منتصف التسعينات. ولذلك لا أعتقد أن تقف أنقرة علنا إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. وهنا يجب القول إن الدول العربية تعتقد أن سياسة الولايات المتحدة هي متابعة سياسة إسرائيل. إلى جانب ذلك، فإن تركيا لا تريد أية مشاكل مع الكرد الذين يقال إن الولايات المتحدة تريد الاعتماد عليهم في حملتها ضد العراق. لكن تركيا وسوريا وإيران لا يريدون قيام دولة كردية مستقلة."

وهل إذا قبلنا مشاركة بريطانيا في هذه العملية واستبعدنا أي مساهمة من دول المنطقة، مهما كانت قريبة للولايات المتحدة من وجهة النظر السياسية، هل هناك بلدان أخرى تسعى إلى مساعدة الولايات المتحدة
في حل الأزمة العراقية بطريقة عسكرية؟

"يمكن أن تشارك فيها دول اشتراكية سابقة مقابل تعجيل انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي. لا أؤكد أن هذه الدول ستُقدِم على هذه الخطوة ولكني لا أستبعد أن تنتهز أيةَ فرصة من أجل دخول الحلف في أقرب وقت ممكن."

لنفترض الآن أن الولايات المتحدة قامت بضرب العراق. كيف ستكون نتائجه وهل ستحقق واشنطن أهدافها؟

"لا نعرف أشكال الضربة الأميركية المقبلة. فإذا كانت في صورة غارات جوية فإنها ستثير موجة عنف جديدة ضد الأميركيين من قبل الشعب العراقي. أما إذا كانت هناك حملة برية فإن العراق كله سيبدأ حربا فدائية. مما يعني أن العملية العسكرية الأميركية ستوجَّه ليس ضد صدام بل ضد الشعب العراقي كله. والنتيجة هي أن أيا من الخيارين لا يفيد الولايات المتحدة من وجهة النظر العسكرية. أما العواقب الدولية لمثل هذه الحملة فمن المستعصي التنبؤ بها. أقول بهذا الخصوص فقط إن روسيا هي الدولة الوحيدة التي اتخذت موقفا واضحا من النوايا الأميركية تجاه العراق."

وإذا كانت موقف روسيا من القضية هو الأكثر وضوحا فهل في وسع موسكو أن تؤثر في مزاج العراق وعزيمة الولايات المتحدة من أجل التخفيف من شدة موقفيهما؟ فمن المعروف أن روسيا تبذل جهودا ملموسة في السنوات الأخيرة لإقناع العراق بقبول فريق المفتشين، لكن يبدو أن هذه الجهود تذهب أدراج الريح لأن بغداد تتعنت في رفضها استقبال الخبراء الدوليين في نزع السلاح.
هذا (سيرغي سومبايف) مجددا:

"روسيا تطلب من العراق إعادة المفتشين عن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية التي لا تمتلكها بغداد حاليا. وليس لروسيا إلا نفوذ سياسي في هذا المجال. ويمكننا أن نستميل الصين إلى جانبنا. فمن المعروف أن بكين هي الأخرى ليست راضية بضربة أميركية ضد العراق. أما مسألة المراقبين فإنها بسيطة جدا. العراق مستعد لقبولهم لكنه لا يريد أن يرأس هذا الفريقَ ممثلون أميركيون. ولنعد إلى الأذهان أن الفريق السابق طُرد من العراق بتهمة ممارسة نشاطات تجسسية. لكني أريد أن أقول إن العراق لا يمتلك أسلحة نووية بسبب عدم وجود اتصالات ضرورية لديه لكسب التكنولوجيا، وعلى سبيل المثال من كوريا الشمالية. ولا يملك العراق وسائل لنقلها. الصواريخ السوفياتية الصنع من طراز (سكاد) لها تأثير سيكولوجي فقط. لكنها ليست سلاحا دقيق التصويب. أما الأسلحة الكيماوية والبيولوجية فقد عثر المفتشون الدوليون عليها، وتمّ تدميرها. ولا يمكن إنتاج هذه الأسلحة في الوقت الراهن في ظل المصاعب الحالية، من بينها قطع الطاقة الكهربائية مدة عدة ساعات كل يوم."

وإذا اندلعت حرب أميركية ضد العراق فما هي الخطوات التي ستتخذها روسيا؟ يبدو من غير الواقعي أن تشن موسكو أي عمل عسكري مضاد.

"أولا وقبل كل شيء، فإن روسيا ستستنكر مثل هذه العملية. أما وسائل الضغوط التي تملكها موسكو فأهمُّها هو العقل السليم. روسيا يمكن أن تبرهن للأميركيين أن هذه الحملة محتومة بالفشل أولا، وثانيا إنها غير مفيدة للولايات المتحدة، وثالثا فإن الذرائع والحجج التي تقدمها أميركا لتبرير العمل العسكري ضد العراق غير كافية ولن تؤدي إلا إلى استنكار عالمي للحملة الأميركية. لكن الهجوم الأميركي إذا حصل، فإنه سيحقق هدف واشنطن. الجيش العراقي الذي يبلغ تعداده 500 ألف فرد، وكذلك ما يراوح بين مليونين وثلاثة ملايين من جنود الاحتياط، لا يستطيعون مقاومة القوات الأميركية. لكن إذا غزت الولايات المتحدة الأراضي العراقية فأنها ستواجه وضعا أسوأ مما كان وقت حرب فيتنام. وما يجعل الأمور أسوأ بالنسبة للولايات المتحدة أن ليس لها ما يعتمد عليه داخل البلاد."

--- فاصل ---

سيداتي وسادتي، كان هذا (سيرغي سومبايف) مراقب قسم الأخبار الخارجية في صحيفة (كراسنايا زفيزدا)، وهي لسان حال وزارة الدفاع الروسية.

على صلة

XS
SM
MD
LG