روابط للدخول

حياة المنفيين والمغتربين العراقيين في بريطانيا - الجزء الثاني


(أياد الكيلاني) يقدم الجزء الثاني من تقرير نشرته أمس الثلاثاء صحيفة الغارديان البريطانية يواصل محررها الحديث عن حياة المنفيين والمغتربين العراقيين في بريطانيا.

صحيفة الـ Guardian البريطانية نشرت أمس الثلاثاء تقريرا مطولا بعنوان (المنفيون) لمحررها Andy Beckett، تناول فيه وضع المغتربين العراقيين، وخصوصا من اتخذ منهم بريطانيا موطنا جديدا، من بينهم مثلا المهندس المعماري العراقي محمد مكية. أمس عرضنا على حضراتكم أهم ما جاء في الجزء الأول من التقرير، ونقدم لكم اليوم، أعزائي المستمعين، عرضا للجزء الثاني والأخير منه.

يقول Beckett إن مكية وصل لندن للمرة الأولى في 1935 وأمضى عقدا من الزمن طالبا في الجامعات البريطانية في لندن ومدينتي Cambridge وLiverpool. وينقل عن مكية قوله – وهو يجلس في غرفة مليئة بالكتب المعمارية والسياحية اعتاد أن يستقبل ضيوفه فيها: تحولت إلى أحد سكان Liverpool، ووقفت قرب حديقة Hyde Park في لندن لحضور جنازة الملك جورج الخامس، وقمت برحلات على دراجتي الهوائية إلى منطقة البحيرات في إنكلترا وإلى غيرها من المناطق لأتعرف على هندسة البنايات التقليدية فيها.
ويتابع المحرر قائلا إن آخرين قدموا إلى بريطانيا لأسباب أخرى، فلقد قدم يهود عراقيون – مثل عائلة Saatchi – هربا من الاضطهاد. وساهمت حالة عدم الاستقرار في المناخ السياسي في العراق – بما شهده من انقلابات متتالية وحالات تمرد في المناطق الكردية في الشمال – ساهمت في استمرار تدفق المغتربين. أما ما يصفه Beckett بوحشية دكتاتورية صدام فلقد ضاعفت هذا السيل البشري منذ عقد السبعينات.

--- فاصل ---

صحيح – تقول الصحيفة – أن بريطانيا تتميز عن دول الشرق الأوسط بما توفر من أمان للمنشقين العراقيين، ولكن فنادق لندن الفخمة وشققها الراقية وأماكنها العامة المريحة التي اعتاد العراقيون وغيرهم من ابناء الجاليات العربية المتنامية على ارتيادها، لم تكن بعيدة عن متناول أجهزة صدام حسين الأمنية. وينقل Beckett عن منشق كردي قوله: أتذكر بكل وضوح كيف كنا نتظاهر أمام السفارة العراقية بعد أن نغطي رؤوسنا بأكياس ورقية فيها ثقوب تتيح لنا الرؤية والتنفس، وذلك كي نخفي هوياتنا عن موظفي السفارة المكلفين بتصويرنا.
وتابع Beckett أن الحكومة العراقية استخدمت بعض طلاب البعثات العراقيين كجواسيس وأنشأت مركزا ثقافيا كان في الحقيقة مقر شبكة لمراقبة المنشقين. كما لجأ عملاء الحكومة العراقية إلى محاولة اغتيال بعض المنشقين المعارضين، ففي 1995 ادعى (لطيف يحيى) – وهو منشق كانت تستخدمه الحكومة العراقية بديلا شبيها لأحد أخوة صدام – أنه تعرض إلى اعتداء عليه بالسكاكين من قبل خمسة أشخاص يتكلمون العربية.
ولكن السنوات الأخيرة – حسبما ينقله التقرير عن جمعية الجالية العراقية وغيرها من منظمات المغتربين في بريطانيا – شهدت آلية الدكتاتورية العراقية تتراجع فعالية في الداخل والخارج على حد سواء، نتيجة تأثرها بالعقوبات وعيوبها الداخلية. فلقد تناقصت مضايقة المنشقين، واختفى المركز الثقافي المزعوم. غير أن متاعب أخرى بدأت تؤثر في المنفيين العراقيين، بينها حالات اليأس والكآبة والشوق إلى الوطن. وينسب Beckett إلى الباحثة في علوم الإنسان العراقية المقيمة في لندن (ناديا العلي) قولها: الناس يتحدثون دوما عن عراق لم يكن له وجود في يوم من الأيام، فهم يذكرون المقاهي والحياة الثقافية والسير على ضفاف دجلة، حتى في السنوات الأولى من عهد صدام، حين يقال أن الأوضاع كانت أفضل.

--- فاصل ---

ويتابع محرر الـ Guardian في تقريره أن دراسة أجريت قبل سنتين أظهرت أن ما يزيد عن نصف عدد العراقيين في لندن قلقون إزاء صحتهم النفسية، وينقل عن (هندرين معروف) – مدير مركز المعلومات الكردي في لندن قوله: بعض جوانب الحياة أسهل في بلادنا، فمددنا أصغر مقارنة بلندن حيث لا يمكنك العيش بسهولة وبعيدا عن الضغوط.
ويضيف Beckett أن الآونة الأخيرة شهدت تنامي عدد العراقيين الذين يختارون السكن بعيدا عن العاصمة، كما عمدت السلطات البريطانية إلى إسكان اللاجئين الجدد في مدن أخرى، مشيرا أيضا إلى أن نسبة كبيرة من المهاجرين العراقيين الجدد لا تنتمي إلى عالم المحترفين أو الناشطين السياسيين، فهم – في أغلب الحالات – من المواطنين العاديين الذين سئموا قيود العقوبات وصعوبات الحياة اليومية في العراق، كما إنهم يتعرضون إلى ريبة أقرانهم المغتربين لكونهم تحملوا النظام العراقي كل هذه السنين. ويشير المحرر أيضا إلى النزاعات الدموية التي يشجع صدام حسين على نشوبها في المناطق الواقعة خارج سيطرته التامة، ويؤكد تأثيرها على الجالية العراقية في بريطانيا بقوله أن جلسات النقاش بين العراقيين في لندن كثيرا ما تؤول إلى شجار.

--- فاصل ---

أما نسبة البطالة بين صفوف العراقيين في بريطانيا فلقد بلغت – بحسب التقرير – الثلث، وهي نسبة تثير الدهشة إذا تذكرنا أننا نتحدث عن مجموعة طموحة من الناس لها مؤهلاتها، وينقل عن (ناديا العلي) تعليقها: الناس يصابون بضرب من الشلل، ويشعرون بالتالي بالمرارة تجاه الحكومة هنا وتجاه حكومة بلدهم.
ويتابع Beckett مؤكدا قلة الثقة لدى العراقيين المغتربين بالخطط الأميركية / البريطانية الحالية لإطاحة صدام، ويضيف أن جميع العراقيين الذين تحدث إليهم – بدون استثناء – أعربوا عن شكوكهم في احتمال زوال صدام ليحل محله زعيم أقل شرا، مشيرين إلى سجل الغرب في دعم الدكتاتور العراقي خلال السبعينات والثمانينات وإلى صداقته المستمرة مع أنظمة استبدادية أخرى – يمكنه الاعتماد على ثرواتها النفطية - في الشرق الأوسط. وينسب Beckett في هذا المجال إلى مغترب عراقي لم يشأ ربط اسمه بأي نشاط مناوئ للرئيس العراقي قوله: الكثيرون يعتقدون أن صدام ما زال من أتباعهما – أي أميركا وبريطانيا. كما يرى العراقيون المنفيون – بحسب التقرير – أن العقوبات تدر فائدة على مؤيدي صدام حسين المقربين، ما حولهم إلى طبقة الأغنياء الجدد وأغنياء الحروب.
ويؤكد المحرر أيضا أنه لم يجد حماسا بين صفوف المغتربين العراقيين لفكرة القص أو لخطط الغزو، فهم كثيرا ما يعربون عن قلقهم إزاء مصير أقربائهم وأصدقائهم الموجودين في العراق.

--- فاصل ---

ويمضي Beckett في تقريره إلى أن الباحثة (ناديا العلي) قدمت إلى بريطانيا قبل سبع سنوات وأن زوجها من جامايكا، وهي تسكن لندن وتدرًس في جامعة Exeter، وتبدو كأي امرأة شابة منهمكة في شق طريقها العملي في منطقة الجنوب البريطانية المكتظة بالسكان. ولكنها حين تعود إلى العراق، يقول المحرر فإنها تدرك تماما الامتيازات التي تنعم بها في بريطانيا، الأمر الذي تصفه بقولها: شعرت بالصدمة حين زرت العراق آخر مرة في 1997، إذ وجدت الشوارع مليئة بالأطفال المتسولين. ولكن أقربائي لم يظهروا أي حسد إزاء حياتي في بريطانيا، بل على العكس، كانوا يعربون عن فرحهم بي، الأمر الذي أثار تواضعي الشديد.
ويضيف Beckett أن المغتربين العراقيين في بريطانيا بدورهم لا يتعرضون إلى مضايقات من سكان بريطانيا الآخرين، الأمر الذي يؤيده جبار حسن بقوله إنه لا يتلقى – في جمعية الجالية العراقية سوى نحو عشر شكاوى سنويا لها علاقة بالكراهية العنصرية. ويوضح Beckett أنه سأل جبار حسن – الذي أنجب أطفالا منذ قدومه إلى بريطانيا – عن الجنسية التي ينسبها أولاده لأنفسهم، فأجابه مبتسما بعد فترة من التأمل والعبوس: إنهم بالتأكيد بريطانيون – على تعبيره كما جاء في تقرير Andy Beckett في عدد أمس الثلاثاء من صحيفة الـ Guardian.

على صلة

XS
SM
MD
LG